مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٥٦مناجزة الإلحاد
لبوكيبوس
(1) ،
والمألوف، بغض النظر عن كونه اتهاما موضوعيًّا من عدمه، ونحن لا نسلّط النظر إلا إلى الإلحاد الموضوعي فقط، والذي يقتصر على دعوى إنكار وجود الله تعالى. لقد أدَّى ظهور النظرية الذريَّة (460 - 361 ق. م) على يد الفيلسوف لبوكيبوس (Leucippus) إلى انحراف النظرة الروحية عن مسارها المعتاد إلى مسارٍ آخر يتّسم بالمادية الجلفة، حتى حدا بها الحادي إلى أن جعلت للآلهة وجودًا ماديًا كوجود البشر، بل وشبهتها بالبشر في التَّصرُّفات والسلوكيات واعترفت بتأثيرها المباشر على الإنسان وإن أنكرت قدرتها الخارقة (3)! مع التنويه بأنَّ هذه النظرية لا تُنكر الآلهة، وهي ليست نظريَّةً ماديةً فحسب، بل نظريَّة ميكانيكية ترى أنَّ الإيمان يكون بالجبر، وأنَّ كلَّ شيء يحدثُ وفق القوانين الطبيعية والنواميس الكونية، وأنه لا يحدث شيء بالصدفة والاحتمال). إنَّ الشَّخصيَّات المشهورة التي لحقتها وصمة الإلحادِ كثيرة جدًّا، فهل كانت تلك الاتهامات بالإلحاد موضوعيَّةً؛ بمعنى أن أصحابها أنكروا حقًّا وجودَ الإله؟! أم كانت وفق تصوراتٍ معيَّنة خرجت عن المألوف
والموروث والمعتاد؟!
بروتاجوراس
إِنَّ أول ظَبْطَبَةٍ للتشكيك سمعنا صدى صوتها مكرورًا في بعض المراجع التاريخية صدرت عن الفيلسوف بروتاجوراس (Protagoras)) الذي قيل عنه بأنه قد شكك في الآلهة، وأدرج منصوصه في عدم إمكان الجزم بوجودها أو نفي وجودها وادَّعى أنَّ الآلهة إن كانت غير ملموسة ماديا
1 - أشهر رواد هذه المدرسة هو ديموقريطس، ونظرته إلى الآلهة لا يُمكن الجزم بها، ومن المجازفة انسياق بعض الباحثين إلى اتهامه بإنكار وجود الإله، فهو لم ينكر وجوده بل على النقيض من ذلك، إلا أنَّ تصوراته للإله لا يُمكن الجزم بها، كما أنَّ ثيولوجيا ديموقريطس لا تتضمن الآلهة فحسب، بل تعدتها إلى الأرواح الشريرة (يُنظر: علي النشار، ديموقريطس، ص 85 - 89). ويرى بعضهم أنَّ ديموقريطس يقر بوجود الخالق الذي خلق الذرات وجعلها تتصادم بلا قصد ولا هدف. (يُنظر: صادق الساعدي، نافذة على الفلسفة، ص 67).
2 - فيلسوف مالطي (440 ق. م) يُقال بأنَّ إبيقور أنكر وجوده، لكن أرسطو أشار إليه كثيرًا؛ فمن المستبعد ألا يكون له وجود حقيقي. (يُنظر: برتراند راسل تاريخ الفلسفة الغربية، 1/ 125).
- يُنظر: محمد النشواتي الإسلام يتصدى للغرب الملحد، ص 13.
- يُنظر: رمسيس عوض، الإلحاد في الغرب، ص 9.
5 - سفسطائي يوناني (485 - 411 ق. م) كان صاحب مذهب حسي ونسبي، عارض فكرة الحقيقة المطلقة، وهو صاحب المقولة المشهورة: "الإنسان مقياس كل شيء. يُنظر: جورج طرابيشي، معجم الفلاسفة ص 170).
56