مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٥٥٤

مناجزة الإلحاد

ولذلك يتوهم بعضُهم بأنَّهم كانوا على عِلم أو على اطلاع مسبق بما حدث قبل حدوثه، لكنَّهم لا يعترفون بذلك إلا بعد حدوثه فقط!

وخُلاصة هذا الاعتراض: إِنَّ (تحيز الإدراك المتأخر) هو الذي يقتادنا إلى الاعتقاد بوجود النَّظم والتَّعقيد والتصميم في الكون، وهو الذي يُرغمنا على قبول الاعتقاد بهذا؛ بحكم أننا لا نملك واقعا آخر غير واقعنا هذا، ولو امتلكنا واقعًا مُغايرًا ولم يكن في حقيقته مُنظَّمًا أو مُصمَّمَّا فإنَّنا وبحكم التَّحيز أيضًا سنعتقد بأنَّه واقع مُنظَّم ومُصمَّم هو الآخر، بالرغم من أنه ليس كذلك! إنَّ أصحاب هذا الاعتراض يفترضون بأنَّنا لو ألقينا لوحةً بيضاء على الأرض، ثم انهلنا عليها بمقادير عشوائية من الأصباغ المختلفة، فإنَّها ستكون لوحةً مُصمَّمةً في نظرنا، ولو أعدنا الكرة تارةً أخرى فإنَّ اللوحة ستتغير - ولو قليلًا - بحكم عامل العشوائية، لكنَّها ستبقى لوحةً عشوائيةً أيضًا، ولكن باعتبار التحيز بالأثر الرجعي فإنَّنا قد حَكَمْنَا على اللوحة الأولى بالنظم والتصميم دون الثانية، وهكذا بالنسبة إلى حكمنا بوجود النظم في الكون

طبعًا سنكتفي في الرد على هذا الاعتراض بما قلناه قبل قليل حول نقد أُطروحة (الإسقاط)، فما أشبه الشَّيء يُعطى حكمه، بل ولربما كان هذا الاعتراض أشد شُزُوبًا وإبعادًا للنُّجعة من سابقه!

(3) - الضبط الدقيق غير دقيق!

يُوجد صوت ناشر داخل البيت الإلحادي نفسه، ولا ندري فقد يكون لهذا الصوت ما ينفخ في أوراه ويزيد من ضرامه مستقبلًا، فمع اعتراف العلماء - المؤمنين منهم والملحدين - بوجود مظاهر النظم والتصميم والضبط في الكون، وافتراقهم فقط في تحديد الناظم أهو الإله أو شيء آخر؛ يبدو أنَّ هناك صوتًا إلحاديا يزعم في غير مزعم، ويطمع في غير مطمع، قائلا بأنَّ النَّظم في الكون لا وجود له باعتبار عدم صرامة بعض قيم الثوابت الكونية، فهناك - كما يقول هؤلاء - إمكان لتغيير قيمها بشكل أكبر مما يُصرح به العلماء دون إحداث أي مشكلة!

إنَّ هذا الافتراض بجانب ضعفه الفلسفي - حيث إنَّ الإمكان قبل تحققه يختلف عن الموجود يُصبح مساوٍ للرتبة التي وُجد عليها ولا يُمكن له أن

الإمكان بعد

تحققه؛ بمعنى

أنَّ

يكون إلا كذلك - فإنَّه يحتوي على نسبة كبيرة من الهشاشة، والضعف العلمي يُهلهل قوامه؛ ذلك

554