مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٥٥٥

000

المبحث التاسع: المستوى العقلي

لأنَّ إثبات إمكان الأمر علميًّا يحتاج إلى تجربة عمليَّة؛ بحكم أنَّه إمكان علمي لا عقلي، وهذا لا يتسنّى لأحدٍ لعدم وجود كون مقارن آخر تُوجد فيه تلك القيم المتغيرة!

ثمَّ إِنَّ هذا الافتراض يتجاهل قضيتَيْن جوهريتين وهما: الضبط والتخصيص. فالضبط الدقيق موجود وإن سلَّمنا بإمكانيَّة التَّلاعب ببعض القيم الكونية؛ إذ لو زعم زاعم - مثلًا - بأنَّ هناك مجالا لتغيير قيمة مُعادل الجاذبية بشكلٍ كبيرٍ ومن دون حدوث مشكلة - وهذا زعم باطل - فإنَّ وجود قيمة معادل الجاذبية بما هي عليه لا يعني أنها قيمة غير متوازنة أو غير مضبوطة بدقة؛ ذلك لأنَّ الضَّبط الدَّقيق صفةٌ ذاتية موضوعية، بينما وجود نوع من المرونة أو الاحتمالية في تغيير قيمته صفةٌ عَرضيَّةً طارئة.

وكمثال على قضيَّة الضَّبط ووجود هامش لتغيير بعض معطياته: تصوّر أنَّ مهندسًا قام بتنفيذ تخطيطه لبناء عشرة منازل، ورُوعي في بناء هذه المنازل الضَّبط والدقة، إلا أنَّ كلَّ واحدٍ منها سيختلف عن الآخر في بعض المعطيات، فهل هذا الاختلاف سينزع عن هذه المنازل صفة الضبط والدقة؟! بالطبع لا.

أما تجاهل هذا الافتراض لقضيَّة التَّخصيص فيكمن في إغفاله لجانب تخصيص معطيات الثوابت نفسها، فلو كان بالإمكان - مثلاً - أن يكون ثابت بلانك h = 6،626070 x 10 - 34) أقل أو أكبر مما هو عليه فإنَّ حقيقة التَّخصيص ستبقى ماثلةً أمام أعيننا، فلماذا كان هو بهذه القيمة دون أي قيمةٍ أُخرى مع افتراض إمكان تغيير قيمته دون حدوث مشكلة؟! وجانب التخصيص في مثالنا هذا لا ينحصر على قيمة الثَّابت فقط، بل يتعدها أيضًا إلى تخصيص وقت حدوث الثابت وظهوره بعد أن لم يكن شيئًا مذكورًا.

ثم قبل ذلك كله، يجب أن نعلم بأنَّ أيَّ تغيير في قيم أحد هذه الثوابت أو المعطيات الكونية سيعقبه تغيير آخر في كل الثوابت والقيم الكونية الأخرى حتى ترجع حالة التوافق المعهودة والتي أرسى العلم الحديث قواعدها النظرية والحسابية، وفوق ذلك فإنَّ هناك ثوابت كونية كثيرة سيُسبب أدنى تغيير فيها إلى انهيار الكون بل وعدم وجوده من أساسه!! إنَّه مهما الاحتمالات الممكنة لنكون أحياء فيما إذا تغيَّرت قيم تلك الثوابت الكونية فإنَّ هناك احتمالات أكبر وطُرُقًا أكثر لنكون أمواتا كما يقول ريتشارد دوكينز!

كان

حجم

1 - يُنظر: ريتشارد دوكينز الجديد في الانتخاب الطبيعي، ص (31 - 32).