مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٥٥٧المبحث التاسع: المستوى العقلي
فلكل نظم منظم، ولا أحد يستدل بمواضع العشوائية هنا - إن كان حقا لها وجود - فلم نقل
إِنَّ لكل عشوائيَّة منظما. (4) - هناك عِدَّةُ دلائل علميَّة تُشير إلى أنَّ المنطقة التي يُهيمن عليها النظم والضبط تحتاج فعلا إلى تلك المساحة الشاسعة من الكون والتي يزعم صاحب هذا الاعتراض بأنها غير مضبوطة وغير منظمة، فسعة الكون قد تكون لها يد طولى في نشأة الحياة واستقرارها، فمن ذا الذي يستطيع أن يقول - مثلاً - إنَّ المادة المظلمة التي تملأ الكون بأسره لا أهمية لها بالنسبة إلى المنطقة التي تنعم تحت أفياء النظم والضبط!؟!
(5) - الضبط له قيمة موضوعيَّةٌ مستقلة، فلا يُمكن أن يُقاس بالحجم أو الكم؛ لأنَّه سيبقى يرفل بثوب الضبط والنظم، ولا يستطيع الحجم ولا الكم أن ينزع عنه ثوبه هذا، فالأمور لا تقاس بأحجامها بل بمضامينها وقيمها.
(5) - عدم وجود كون فقارن لنحكم بوجود النظم
هذا الاعتراض يتساوى مع قولنا: إنَّ عدم وجود كوكب أرضِ مُقارن يمنعنا من إطلاق الحكم على كوكبنا بأنه صالح ومُهيَّاً للحياة! فكما أنَّ الحياة صفةٌ ذاتية موضوعيَّةٌ تُدرك ببساطة بمقارنتها بـ (اللاحياة) دون كلفة النظر في كوكب آخر، فكذا النظم هو صفةٌ ذاتية موضوعيَّةٌ تُدرك ببساطة بمقارنتها بـ (اللانظم) دون عناء البحث عن كون مُقارَن! فهل أدرك النَّاسُ - قديمًا وحديثًا - مفهوم (الحياة) ومفهوم (النَّظم) عن طريق كواكب أخرى أو أكوان مقارنة؟! بالطبع لا. إنَّ عدم وجود أكوانٍ مُقارنة لا يعني بحالٍ من الأحوال أنَّ النظم غير موجود، أقصى ما هنالك هو وجود احتماليَّة لأن تكون هناك أكوان أكمل نظما من كوننا ليس أكثر! ولأجل هذا فلا يمكن اعتبار هذا الاعتراض مصوّبًا باتجاه برهان النَّظم بقدر ما أنَّه مصوب باتجاه قضيَّة إمكان وجود كون أكثر تنظيمًا من كوننا عند المقارنة، وهذه قضيَّةٌ لها مسار آخر بطبيعة الحال. من الجيد إحالة النظر إلى تبديد هالات الاستقراء العلمي، فليست كلُّ معارفنا العلمية الطبيعيَّة استقرائية المصدر، فعلى سبيل المثال: الانفجار الأعظم ليس استقرائيا بطبيعته؛ لأنَّنا لم نلحظ تكراره ولم نقم بمقارنته بانفجار أعظم! آخر وكذلك أصل الحياة - أيضًا - لا يُمكن مقارنته؛ لأنَّنا لا نعرف إلا حياةً واحدة بل إنَّ الأحداث التَّاريخية التي نُؤمن بها لم تقم على المنهج الاستقرائي؛ إذ هي غير قابلة للإعادة والتجربة والتكرار!
OOV