مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٥٦٢

مناجزة الإلحاد

لقد سبق أنَّ رددنا على الاعتقاد بـ (الصُّدفة) كتفسير لحدوث الكون بأكثر من (13) وجها، فليُرجع إليه في مكانه. ولعلَّ النُّقاط التي سنطرق أبوابها الآن ستعري حقيقة الصدفة أمامنا،

وتكشف القناع عن وجوه إمكان كونها سببًا صالحًا لتفسير انضباط الكون وانتظامه:

(1) - إِنَّ الصُّدفة مجرَّد تصور ذهني، فلا يُوجد في الخارج شيء مُجسَّد اسمه (الصدفة) له كيان معين ومُحدَّد، أو له إرادةٌ عاقلة وفاعلة؛ أي إنَّ الصُّدفة مجرد وصف نصف به بعض الحوادث التي نواقعها. وبناءً عليه؛ كيف يكون هذا الوصف الذهني - الذي لا وجود له في الخارج - سببًا يُعتد به في تفسير الضبط والتوازن والنظم؟!

(2) - إنَّ معنى الصُّدفة - حسَبَ الوضع - هو حدوتُ الشَّيء بلا قانون مسبق، أو حدوثه بالندرة على خلاف السَّائد المعهود، إلا أنَّ الملاحدة يمتطون صهوة الصُّدفة - دون أن يشعروا - وكأنها قانون صارم من قوانين الطَّبيعة المنتظمة، فهم يفسرون بها جميع مظاهر انضباط الكون وانتظامه وهم بهذا بين عائلتين؛ إما أن يقولوا: إِنَّ الصُّدفة في انضباط الكون وانتظامه عبارةٌ عن قانون طبيعي نحتنا له اسم (الصُّدفة). وإما أن يقولوا: إنَّها عبارة عن قانون طبيعي مجهول. وكلا القولين يُؤديان إلى النتيجة نفسها وهي إثباتُ وجود قانون ما، ومن ثم انتفاء وجود الصدفة! (3) - إنَّ الصُّدفة في حقيقتها جهل بالأسباب، فكلُّ ما جَهِلَ الملاحدة سبَبَه - ولم يجدوا له موئلا غير الله - نسبوه إلى الصُّدفة من غير برهان، لكنَّ الضَّربة القاصمة لهذا الزَّعم تأتي من عالم الأحياء الشهير تشارلز داروين إذ يقول: " وغالبًا ما نسبنا حدوثها إلى الصُّدفة، على أنَّ كلمة (الصُّدفة) هنا خطأً محضّ يدلُّ على اعترافنا بالجهل المطلق وقصورنا عن معرفة السبب في حدوث كل تحوُّل بذاته يطرأ على الأحياء). ومن أجل هذه الحقيقة البلجاء حاك الفلاسفة الشائعة: "يقول بالاتفاق - أي بالصدفة - جاهل الأسباب». فـ (الصُّدفة) = عدم عِلمٍ

مقولتهم

بالأسباب، أو عدم علم بنتائج الأسباب، أو كلاهما. ومجموع ذلك هو: الجهل.

(4) - إِنَّ الصُّدفة أمر نسبي، فما تراه أنت صدفة - لجهلك - قد لا يراه غيرك صدفة - لعلمه - فلو أنَّ مديرًا أمر أحد موظفيه بزيارة منطقة ما لمهمة عمل عاجلة، وأمر موظفا آخر من قسم مختلف بزيارة المنطقة ذاتها، وكان هذا الموظف صديقًا قديمًا للموظف الأول، فحدث لقاء 1 - تشارلز داروين، أصل الأنواع، ص 193.

562