مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٥٦٤مناجزة الإلحاد
(2) - الانتخاب الطبيعي
يبدو أنَّ الملاحدة قد تراجعوا - من وجه دون آخر - عن الاعتقاد بـ (الصدفة)؛ لأنَّهم أدركوا أنَّ ثمن الاعتقاد بها باهظ ويُكلفهم الكثير وفق فواتير العقل والمنطق، وكأنَّهم يعترفون أخيرًا بأنَّ رائد التوفيق قد أخطأهم، وأنَّ سهام الاعتقاد بـ (الصدفة) طاشت عن مراميها، وشوهت لهم وجوه آمالهم؛ لذا نجدهم قد آثروا التَّخلي عن الاعتقاد بها، والالتجاء
ويليام بيلي إلى مبدأ الانتخاب الطبيعي، هذا المبدأ الذي يُوصف بأنه مبدأ أعمى غير
هادف ولا يعي ما يقوم به، لكنَّه في الوقت ذاته ليس عشوائيا (تناقض!)، وقد شبهه ريتشارد دوكنز بـ (صانع الساعات الأعمى) في ردّ واضح منه على أُطروحة (مُصمّم الساعات) التي تقدم بها اللاهوتي ويليام بيلي (aley) عام (1802 م) في كتابه (اللاهوت الطبيعي/ Natural Theology) حيث افترض بيلي أنَّ مجرَّد العثور على ساعةٍ في فلاة من الفلوات، ثمَّ التَّأمل في تصميمها ودقتها وتعقيدها كفيل بإبعاد شبح الصدفة عنها وإثبات وجودِ صانع ذكي لها. كما شبه ريتشارد دوكينز الانتخاب الطبيعي بتشبيه آخر في كتابه (تسلق جبل الاحتمال البعيد)؛ إذ دعا إلى تصور وجود جبل عال له جانب شديد الانحدار يصعب تسلقه لكنه قصير المسافة، وجانب منحدر يسهل تسلقه بالتدريج لكنَّه طويل المسافة، وقمة الجبل في هذا التشبيه ترمز إلى منتهى مبدأ الانتخاب الطبيعي، فإنَّه يصعد إلى قمة الجبل بالتدريج عبر الجانب المنحدر ذي المسافة الطويلة. نعم؛ مبدأ الانتخاب الطبيعي أعمى لكنه ليس عشوائيا؛ لأنَّه دائما ما يُبقي على الأصلح، وهذا يُفسر لنا مظاهر النَّظم والتصميم، فلو افترضنا أنَّ شخصًا وضع في عُلبة ألواحًا نُقِشَت عليها أحرفُ اللغة العربيَّة، ثم قام بخض تلك العلبة بصورة عشوائية، فإنَّ احتمال أن تترتب تلك الحروف لتُكوّنَ جملةً مستقيمةً ذات معنى سيكون احتمالا أقرب إلى الاستحالة، لكن إن كان هناك مبدأ كالانتخاب الطبيعي يعمل على استبقاء الأصلح والبناء عليه دون هدم محاولاته السَّابقة فإنَّ الحصول على تلك الجملة المستقيمة ذات المعنى سيكون
واردا بقوة!
1 - اللاهوتي الإنجليزي والفيلسوف النفعي (1743) - (1808 م) كان مستشارًا للأبرشية، واشتهر بكونه ناشطًا ضد تجارة الرقيق، من أشهر أعماله: (اللاهوت الطبيعي)، و (المبادئ الأخلاقية والفلسفة السياسية)، و (إطلالة على الأدلة المسيحية).
564