مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٥٦٦مناجزة الإلحاد
أما من الناحية الفلسفية فإنَّ مبدأ الانتخاب الطبيعي يعجز كذلك عن تفسير وجود مظاهر النظم والتصميم؛ لأنَّه:
- مبدأ حادث لا يُمكن أن يُوجد نفسه بنفسه (دور منطقي واجتماع للنقيضين) أو بالصدفة، فلا بُدَّ إذن من وجود ذاك الذي أوجده. - مبدأ ذكي وواع يقوم على انتقاء الأصلح، ويملك بعدا مستقبليا في محصلته النهائية، فكيف يُقال عنه بأنَّه عشوائي؟!!
يصف ريتشارد دوكينز علم البيولوجيا الذي تمخضت عنه فكرة الانتخاب الطبيعي بأنه: "دراسة الأشياء المعقدة التي تُعطي مظهرًا بأنَّها قد صُمّمت لهدف». إذن؛ أشياء معقدة، وتبدو أنَّها مُصمَّمةٌ ولها هدف!! هنا يُمكن استجلاب ما يُسميه بعضهم بـ (برهان البطة). فهناك شخص يقول عن شيءٍ ما: إِنَّه يُشبه البطة، ويمشي كالبطة، ويسبح كالبطة، ويُبطبط كالبطة، وكلُّ شيءٍ فيه يدلُّ على أنَّه بطة، لكنَّه ليس بطة!! هكذا يُصرُّ الملحد على موقفه، فهو يعتقد بأنَّ الانتخاب الطبيعي يبدو وكأنه ذكي وواع وهادف ومبدع ومنظم لكنَّه مع كل هذا يصمه بـ (الأعمى) ويحطم قدره بوصفه بـ (غير الهادف)
لقد قام ريتشارد دوكينز بمحاكاة عملية الانتخاب الطبيعي عبر جهاز حاسوب صممه خصيصي ليكون قادرًا على الوصول إلى انتخاب جُملةٍ (محدَّدة سلفًا من مسرحية (Hamlet) للأديب الإنجليزي ويليم شكسبير من بين (26) حرفًا عشوائيا، والجُملة هي: Methinks it is like a
Weasel) فحصل المطلوب في غضون (11) ثانية فقط، مما أوحى لدوكينز بالنجاح الكاسح
لكن بعد الفرحة الخادعة هذه يأتي الاعتراف بوجود القياس الفارق من ريتشارد دوكينز نفسه! فدوكينز يُصرح بأنها عمليَّةٌ يُختِمُ عليها اللبس في طرائق مهمة، ذلك لأنَّ "الحياة ليست كذلك، فالتَّطور ليس له هدف على المدى الطويل، وليس من هدف بعيد المسافة (2). بينما ما قام به دوكينز في تجربته الحاسوبية هو انتخاب هادف ومستقبلي، فالهدف المراد - وهو انتقاء الجملة السَّابقة - مرسوم مستقبلًا، كما تم تصميم البرنامج الحاسوبي وفق تخطيط هادف ومقصود؛ لتحقيق غاية محددة ومعلومة وهذا ما يتصادم طولا وعرضًا مع العماية و (اللاهدفيَّة)
1 - ريتشارد دوكينز الجديد في الانتخاب الطبيعي، ص 21. - المرجع السابق، ص 82.