مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٥٦٧المبحث التاسع: المستوى العقلي
التي تُدير دفّةَ الانتخاب الطبيعي وهذا يذكرنا بالمثل العربي القديم: (فلان قريب الترى بعيد النَّبَط)؛ أي داني الموعد بعيد الإنجاز!
إذن؛ الملحد في نهاية المطاف - ومع تبنيه لمبدأ الانتخاب الطبيعي - يرجع القهقرى اضطرارًا وإرغامًا ليُعيد اعتراضه السابق، وليعترف بـ (الصُّدفة) كسبب لتفسير النظم من حيث يدري ولا يدري، فلو سألته عن قانون الانتخاب الطبيعي وعمَّن وضعه وقننه وفعله سيقول لك: حدث بـ (الصدفة)!! لا نتكلم هنا عن آلية عمل الانتخاب الطبيعي بل عن وجوده من أساسه! الاعتقاد بأنَّ الانتخاب الطبيعي هو بديل عن الاعتقاد بـ (الصدفة) ليس سوى خطوة بائسة إلى الوراء؛ لأنَّ الاعتقاد بـ (الصدفة) ينتظر الملحد في نهاية الطريق، ليكون الموئل الختامي الذي يؤول إليه لا محالة! فالانتخاب الطبيعي نفسه أُعطيةٌ من أُعطيات الصدفة! وهذا يُرغمنا على العودة من جديد إلى نقطة البداية، حيث يرجع الملحد متعشّرًا بأذيال الخيبة، فالانتخاب الطبيعي لم يغنه من أمره ولو بقدر قلامة ظفر!
ومما يدلُّ على أنَّ الانتخاب الطَّبيعي يُرجعنا مرَّةً أخرى إلى كرسي الاعتراف بالصدفة؛ هو لجوء الملاحدة إلى المبدأ الأنثروبي لتفسير بعض المظاهر التي يستحيل على الانتخاب الطبيعي أن يُوجدَها فضلا عن أن يقوم بتنظيم سيرها؛ حيث يقول ريتشارد دوكينز: "وهنا يأتي المبدأ الأنثروبي من تلقاء نفسه، بإمكاننا معالجة فكرة أصل الحياة بافتراض عدد هائل من الفرص الكونيَّة، وبمجرَّد أن نحصل على ضربة الحظ والمبدأ الأنثروبي يضمن لنا حصولها بشكل أكيد … ).
له
في حقيقة الأمر فإنَّ الذي يعترض على وجود المنظم الحكيم بـ (الانتخاب الطبيعي) يرتكب منطقيًّا مغالطة الفئة (Fallacy Category)، أو ما يُسمى بـ (الخطأ المقولي)، فالانتخاب الطبيعي مستوى. مختلف عن مستوى المنظم والمصمّم، فهما مستويان متغايران تغايرا نوعيًّا لا تغايرا صداميا، فالانتخاب الطبيعي مجرَّد آليَّة طبيعية، بينما المنظم هو منظم تلك الآلية وصانعها. وإثبات وجود الآلية لا يعني أبدًا إنكار وجود صانع الآلية ومنظم عملها، فإثبات وجود آلية
لاحتراق الوقود في محرك السيارة لا يعني إنكار وجود صانع المحرك ومنظم عمله!
1 - ريتشارد دوكينز، وهم الإله، 142.
567