مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٥٦٩المبحث التاسع: المستوى العقلي
نلحظ بأنَّ هذا الاعتراض نفسه يستدعي الاعتراض عليه فهناك عِدَّةُ مغالطات ومراوغات يُمكن رصدها بكل جلاء فيه، ومن بين هذه المغالطات والمراوغات:
(1) مغالطة تجاهل المطلوب (Irrelevant Conclusion) ذلك لأنَّ المستدلين ببرهان النظم لا يزعمون بأنَّ المادة لا تمتلك خصائص تُمكّنها من القيام بما هي أهل له، بل على العكس من ذلك، فهم يؤكدون وجود مثل هذه الخصائص في المادَّة؛ لأنَّهم يعتقدون بنظام الأسباب والمسببات - السَّبب الأولي والسبب الثانوي - ولربما كان بعض الفلاسفة المؤمنين أشدَّ تمسكًا بهذا الرَّأي من علماء الطبيعة أنفسهم؛ لأنَّهم يعتقدون فلسفيًّا بما يُسمى بالـ (الحركة الجوهرية)، كما أنَّهم يرون بأنَّ وجود المادة بما هي عليه من خصائص ومؤهلات هو عَينُ وجودها؛ أي إِنَّ وجودها مساو للرتبة التي أُعطيت لها، لا أنها شيء مختلف عنها.
وبهذا يبان موضعُ تجاهل المطلوب في هذا الاعتراض، فالملحد يُريد ردَّ برهان النظم بافتراض أن ورقة الرهان الرَّابحة تكمن في إثبات خاصيَّة المادَّة، وكفى، والحاصل أن المطلوب هو تفسير وجود الوعي والانتظام والغائيَّة والتَّخصيص فيما تفعله المادة لوحدها، إضافةً إلى تفسير مصدر خاصيَّة المادَّة نفسه. هذا هو المطلوب لا إثبات خاصية المادة التي لا جدال لنا فيها أساسًا من حيث إنَّها سبب من الأسباب، فخاصيَّة المادَّة من هذه الوجوه المطلوبة قاصرة لأنَّ طبيعتها تفتقد هذه المتطلبات من غير توجيه خارجي (فاقد الشيء لا يُعطيه).
(2) - الخلط بين (توصيف) الواقع وتفسيره)، فنظريَّة خاصيَّة المادة تقوم في الحقيقة على توصيف الواقع كما يرصده علماء الطبيعة، وهذا التوصيف يتّفق عليه الجميع - المؤمنون والملحدون - لأنَّه نتيجةً من نتائج المنهج العلمي الطبيعي، ولكن تفسير الواقع شيء مختلف عن توصيفه، وهو ليس من اختصاصات المنهج العلمي الطبيعي، بل من اختصاصات الفلسفة والمنطق. والفرق بين (توصيف) الواقع و (تفسيره) فيما يتعلق بمحل الخلاف هنا هو أنَّ الأول يقول لنا: إنَّ سبب حصول ما يحدث أمامنا هو أنَّه يحدث؛ لأنَّه يحدث بسبب ما نراه يحدث!! أمَّا الثَّاني فيقول لنا: إِنَّ سبب حصول ما يحدث أمامنا هو أنَّه يحدث مع النظر في حقيقة ما يحدث وتفسير ما بين الحادث وعلائق القصد والغائيَّة والاختيار من وشائج وروابط. وهذا يعني
569