مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٥٧٠مناجزة الإلحاد
وجود نقص في (التَّوصيف) لا يُسدُّ عَوَزُه إلا بالاستعانة بـ (التَّفسير). وقد سبق أن ضربنا على هذا الأمر عِدَّة، أمثلة، كمثال كعكة العمَّة ماتيلدا الذي قدَّمه فيلسوف اللاهوت جون لينكس.
(3) - الإيهام بأنَّ القول بخاصية المادَّة يُعطي إجابةً كافيةً لإحباط أهداف برهان النظم، وهذا
الإيهام ممَّا يضيق عنه نطاق العذر، وليس لقائله غفيرة ولا عذيرة؛ وذلك لعدة اعتبارات: - أنَّ المادة قبل كل شيء حادثة حدوثاً ذاتيا - وقد سبقت البرهنة على ذلك - ومن ثم فإنَّها قد استمدت وجودها وخصائصها الكامنة في أعماقها من شيء آخر غير نفسها. - أنَّ المادة ممكنة الوجود - وقد سبقت البرهنة على ذلك أيضًا - وممكن الوجود خاضع
بالضَّرورة لسلطان الذي مكنه من الوجود وأمدَّه بحضوره على النحو الذي هو عليه).
- فشل خاصية المادة في تقرير الكثير من الحقائق كحقائق الغائية والقصدية، وحقائق التخصيص في إدارة المهام والوظائف، وحقائق الترتيب والنظم والضبط الدقيق. فلو جئنا إلى تخصيص عمل أي نظام طبيعي على المستوى الفيزيائي أو على المستوى البيولوجي لوجدنا بأنَّ هناك إمكاناتٍ كثيرة لأن تقوم هذه الأنظمة بعملها بناءً على خصائصها ومؤهلاتها، لكننا وجدناها تقوم بتلك المهام وفق ترتيب محدد، ووفق تخصيص مُعين؛ أي إِنَّ هناك وعيًا وإرادةً يقودان عجلة المادة على طرقات التخصيص والتَّرتيب؛ ولنضرب على ذلك مثال (تخصيص عمل الخلايا حيث إنَّ كلَّ خلايا الجسم - ما عدا الخلايا الجنسيَّة والدَّموية - تحتوي على جينوماتٍ كاملة، ونظريًا فإنَّ كلَّ خليّةٍ منها قادرة على القيام بكل وظائف الجسم؛ بحكم احتوائها على الجينوم كاملا، لكن عمليا فإنَّ لكل خليَّة وظيفة معيَّنة تضطلع بالقيام بها، فالخلية الكبدية - مثلًا - تشتغل فيها جينات معينة، وترقد الجينات الأخرى في سباتٍ خلوي، لماذا؟! هنا تعجز نظرية خاصية المادة تمامًا، فلدى الخليَّة القدرة على القيام بوظائف سائر الخلايا إلى جانب قيامها بوظيفتها، فلماذا تخصصت في وظيفة دون الوظائف الأخرى؟! أيا كان السبب الذي يقف خلف هذا الترتيب والتوزيع للمهام فإنَّه لا بُدَّ للتَّسليم من أنَّ الوعي الذي لديه يفوق حتمًا وعي كل
1 - نلحظ بأن الاحتجاج بـ (خاصيَّة المادة) لتفسير النَّظم يحتاج في الرد على بعض جوانبه إلى نوع إسنادٍ من برهاني (الحدوث والإمكان) كما هو الحال أعلاه.
OV.