مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٥٧٢

مناجزة الإلحاد

(4) - مغالطة (الفئة) حيث يتم الخلط بين مستويين مختلفين في هذا الاعتراض لا تعامد بينهما وكأنهما شيء واحد، فالمستوى الأول هو المادة، والمستوى الثاني هو الوعي والقصد، الأوَّل محسوس وملحوظ ومُشاهَد، والثَّاني معنوي ومعقول ومجرَّد، فهذا الاعتراض يشيح بوجهه عن المستوى الثاني مع أنَّه يُقر بلازمه حسَبَ الواقع، ولازمه هو التعقيد والتخصيص- النظم. (5) - إِنَّ (فاقد الشَّيء لا يُعطيه) وهذه القاعدة في جوهرها ترتكن إلى المبدأ العقلي الحريز والراسخ: (عدم اجتماع النقيضين). فكيف للمادة العمياء وغير الواعية - كما يقول الجميع عنها - أن تُنتج هدفًا حاليًّا أو مستقبليا؟! كيف لفاقد الوعي والهدف أن يُعطي وعيًا وهدفًا؟! كيف للمادة العمياء أن تنتظم - رغم اختلافها وتنوعها - في عقد ماسي واحد دون انفراط متجهةً إلى تحقيق غايات مفهومةٍ ومضبوطة!؟! كيف لفاقد النظم أن يُعطي نظما!؟! (6) - المادة نفسها تعمل وفق مقتضيات القوانين الحيوية والطبيعية، فهي مجرد خامات لا عمل لها ولا إرادة إلا بما تفرضه عليها تلك القوانين القاهرة من فوقها، وهذا يعني أن القوانين شيء مفروض على المادَّة من خارجها، ومن ثم تبطل فرضيَّة خاصية المادة المكتفية بنفسها في كل أمر؛ لأنَّ الإشكال سيبقى شامخًا كما كان، فمَن الذي خصَّص المادَّة؟! أتُحدِّثُونَ العاقِلَ عن تخصيص بلا مخصّص!! ويبقى السؤالُ العتيد سؤالُ العقل والمنطق فارضًا نفسه: (من قنن القوانين؟!).

(4) - المبدأ البشري الضعيف

في البداية علينا أن نميز بين طرحَيْن اثنين؛ الأوَّل منهما ما يُعرف بـ (المبدأ البشري الضعيف) والمقصود منه هو: أنَّ مجرَّد وجودنا في هذا الكون المنظوم كفيل بعدم إرهاق الفكر بالبحث عمَّن أوجده ونظمه؛ لأنَّنا لو لم نكن موجودين لما أمكننا أن نتحدث عن ذلك! وبعبارة أخرى: لأنَّنا موجودون فإنَّ الكون مضبوط ومنظوم بالفعل، فلا يُوجد من الأساس ما يستدعي إطلاق أعِنَّةِ تلك التَّساؤلات الملتبكة عن سبب الضبط والنظم! أمَّا الطَّرح الآخر فيعرف بـ (المبدأ البشري القوي والمقصود منه هو: أنَّ الكون قد أُعِدَّ لاستقبالنا حقا، حقا، ولولا هذا الإعداد المسبق لما كان لنا أن نُوجَد.

لقد أدرك العلماء منذ زمن بعيد - كما يقول بول ديفيز - أنَّ الكون يبدو ملائما للحياة بطريقةٍ غريبة، ولكنَّهم فضلوا إهمال ذلك؛ فقد شكل هذا إحراجًا لهم؛ لأنَّه بدا شبيها جدا بعمل مصمّم

572