مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٥٧٣عصر
المبحث التاسع: المستوى العقلي
كوني! وقد نظر إلى حُجَّة (المبدأ الإنساني) بازدراء لأنَّها اعتقاد شبه ديني! يقول الفيزيائي الفلكي أندريه ليند: "إِنَّ شخصًا واحدًا فقط عمل على هذا الموضوع في الاتحاد السوفييتي)! إذن؛ يبدو أنَّ مثار نقع الاعتراض هنا على برهان النَّظم بـ (المبدأ البشري الضعيف) يكمن في الاعتقاد بأن مجرد وجودنا كافٍ لتفسير ضبط الكون وانتظامه، دون الحاجة إلى أمخاخنا بأي تساؤلات تخص مصدر الضَّبط والنَّظم! فهل هذا الاعتراض له نصيب من المعقولية والمنطقيَّة؟! وهل يتجاوب أوَّله مع آخره، أو يشف ظاهره عن باطنه؟! سوف نرى ذلك من خلال الإيرادات الآتية: (1) - إنَّ هذا المبدأ يُمكن تسميته بـ (مبدأ الاجتثاث الخفي للعلم)؛ لأنه يكتفي بوجود الأشياء كما هي دون الشعي إلى سبر أغوارها واستبطان، دخائلها، واستجلاء غوامضها، وهذا الأمر لا يشكُ أحدٌ في أنَّه مناهضٌ ومُماتِنٌ لأبجديات العِلم والمعرفة، فمجرد وجودنا يكفي لتفسير قوانين الجاذبية والنسبية والحركة والطاقة … إلخ!!
سمح
(2) - يضرب الفيلسوف الكندي أندرو ليزلي (Andrew Leslie)) مثالاً رائعًا لإبطال المبدأ البشري الضعيف: فلو افترضنا أنَّك وقعت رهينةً - لا الله - في قبضة عصابة إجرامية، ثمَّ سمعت سائس هذه العصابة يأمر أتباعه بإطلاق النار عليك، فأغمضت عينيك خوفًا وذعرًا، وتم إطلاق النار بكثافة لكنك تفاجأت بعد وقف إطلاق النار بعدم إصابتك بأي طلقة! فهل سيكون التفسير المنطقي لهذا هو أن تتبجح قائلا: لم تُصبني أيُّ رصاصة لأنني لم أمت، ولو أصابتني لما كنتُ أتحدَّثُ الآن. وتكتفي بذلك اكتفاء منطقيًا ومعرفيًّا، أم أنَّ التَّفسير المنطقي يكمن في شيء آخر يجب البحث عنه ومعرفته!
(3) - وقوع هذا المبدأ في مغالطة تحصيل الحاصل (Tautological Explanation)؛ لأنَّه يُفسّر انتظام الكون بانتظامه؛ بمعنى أنَّ الكون منظّم لأنَّه منظم، ويتجنَّب البحث عن تفسير الانتظام نفسه!! فهل من المنطقي - مثلًا - أن تقول لمن ضربك إنَّه ضربك؛ لأنَّه ضربك، ولو لم يضربك لما ضربك! أم أنَّك ستبحث عن تفسير ذلك؟! لقد قيل - قديما - في أمثال هذه الإجابات التي يقترحها المبدأ البشري الضعيف والتي تتجانف عن مذاهب الرزانة:
1 - يُنظر: بول ديفيز الجائزة الكونية الكبرى، ص 207.
2 - فيلسوف كندي من مواليد (1940 م)، يشغل حاليا منصب الأستاذ الفخري في جامعة جيلف بكندا، من أشهر أعماله: كتاب (الأكوان).
573