مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٥٧٥المبحث التاسع: المستوى العقلي
(5) - النظم ظاهرة ثقافية محضة
هذا الاعتراض يُشبه إلى حد كبير الاعتراض السابق بـ (المبدأ البشري الضعيف)، وهو يُشير إلى أنَّ الاعتقاد بالنظم كان نتيجةً للطَّريقة التي اختارت فيها الكائنات البشرية أن تُفكر بالعلم! ولا يخفى أنَّ هذا الاعتراض يتناوشه التناقض الذَّاتي والتَّفكك المنطقي، فهل الاعتراض نفسه هو نتيجة لطريقة تفكير البشر بالعلم أم لا؟! فإن كان الجواب بـ (نعم)؛ سقط الاعتراض؛ لأنَّ ما يُشبه الشَّيءَ يُعطى حُكمه، وإن كان الجواب بـ (لا)؛ فمن أي طريقة إذن جاء الاعتراض؟! من المعلوم بأنَّ الإنسان قام بتصميم الكثير من مصنوعاته ومنتوجاته عن طريق محاكاة الطَّبيعة أو ما يُسمَّى بـ (هندسة الطَّبيعة؛ أي إنَّ الطَّبيعة هي الأصل، وما صممه الإنسان هو التقليد، فكيف يُزعم بعد هذا أنَّ ما جاء عن طريق التقليد هو المصمَّم والمنظم، وأنَّ ما جاء عن طريق الأصل غير مصمَّم ولا منظَّم؛ بدعوى أنَّ وجود التصميم والتنظيم هو مجرد ظاهرة
ثقافية محضة؟!
لقد ارتأينا أن نُفسح المجال هنا للعالم الفيزيائي الكبير بول ديفيز؛ إذ يقول ناقدًا هذا الاعتراض: "لقد حذر كانط من أنَّنا إذا نظرنا إلى العالم من خلال نظارات زهريَّةٍ فليس مُفاجئًا إذا بدا العالم ورديَّا، إنَّنا ميَّالون إلى إسقاط أهوائنا الذهنيَّة على العالم باتجاه مفاهيم رياضية. بكلماتٍ أخرى: إنَّنا نقرأ النظام الرياضي في الطبيعة بدلًا من أن نقرأه خارج الطبيعة … أما السُّؤال: لماذا القوانين الأساسية للطبيعة هي قوانين رياضية؟ فيستدعي الإجابة السخيفة: لأننا نعرف أنَّها أساسيَّةُ لتلك القوانين التي هي قوانين رياضية … هل نجاح الرياضيات في العلم مجرَّدُ مغالطة ثقافية، ومجرَّدُ حادثة في تاريخنا الارتقائي والاجتماعي؟ لقد زعم بعض العلماء أنَّ الأمر هو كذلك، لكنني أقر أنَّني أجد هذا الزَّعم مجرَّدَ هذر، وذلك لعدة أسباب؛ السبب الأول: إنَّ معظم الرياضيات الفعّالة في النظرية الفيزيائية قد صيغت كتدريب مجرَّدٍ من قبل علماء الرياضيات البحتة قبل زمن طويل من تطبيقها على عالم الواقع. فالبحوث الأصيلة كانت غير مرتبطة بتطبيقها النهائي، وقد عبر جيمس جينز عن ذلك بقوله هذا: "العالم المستقل المخلوق من ذكاء محض قد وُجِدَ لاحقًا أنَّه يملك فائدةً في وصف الطبيعة“. وعالم الرياضيات البريطاني ج. ه. هاردي يقول إنَّه مارس الرياضيات من أجل جمالها لا من أجل جدواها العلمية، وقال
Ovo