مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٥٨٨

مناجزة الإلحاد

(8) - قد يكون النظم نتاج اجتماع لفيف من الآلهة وليس إلها واحدا. هذا الاعتراض هو الآخر يعترف - من حيث يدري ولا يدري - بوجود الإله المنظّم للكون، لكنه ينحو منحى افتراض التَّعدد في وجود الآلهة، وهذا ما لا يتناوله برهان النظم ولا يتطرق إليه، وقد سبق الرد على ما يُعرف بـ (شبهة ابن كمونة) أو (افتخار الشياطين) وهو ردُّ يستوعب هذا الاعتراض بحكم الجذر المتشابه الذي يربطهما. ولكن مع ذلك فلا يُمكن إغفال قضيَّة النَّظم والتَّناسق والتَّوازن والضبط، فهذه الأمور بأجمعها تُشير إلى حقيقة المنظم الواحد.

بين الفخر الرازي وديفيد هيوم! بداية هناك لفتة لم نجد - ربَّما لقصور اطلاع مِنَّا - أحدًا قد أشار إليها من قبل، وهي التناقض الفاضح في أحد اعتراضات ديفيد هيوم، فهو يعترض على برهان النَّظم باعتباره إياه من قبيل قياس الشاهد على الغائب؛ أي قياس التصميم البشري على التصميم الطبيعي للكون، لكنَّه في موضع آخر من محاوراته - وعلى لسان فيلون - يزعم بأن تصميم الكون لا يلزم منه وجود مُصمّم حكيم، وإلى هنا لا يُوجد تناقض بعد. فأين يقبعُ التَّناقض إذن؟!

يقبعُ التَّناقض بين تضاعيف الدليل الذي ذكره هيوم على عدم لزوم وجودِ مُصمّم حكيم للكون؛ حيث زعم بأنه من الممكن أن تكون السَّفينة المصمَّمة من نتاج عمل نجار أحمق

حاول تقليد الآخرين عبر مراحل متلاحقة إلى أن نَجَحَ في صناعة تلك السفينة المصممة. ألم تلحظ أيها القارئ الكريم التناقض الضارب بأطنابه في تمثيل هيوم السابق؟! ألا تلحظ أنَّ ديفيد هيوم وقع فيما عابه على غيره حيث قاسَ الشَّاهد على الغائب! حيث يقيس التصميم البشري للسَّفينة على تصميم الكون الطَّبيعي مع الفارق الهائل بين المقيس والمقيس عليه!! فهل ثمَّة تناقض أصرخ وأصرح من هذا؟! وعمومًا هذا هو حال الأفكار الفاسدة دائمًا فمثلها كبذرة فاسدة ميتة لا حياة تُرتجى من ورائها وإنْ علَّق الزراع عليها آمالهم العراض! وما كنت لترشف

من الفسيخ أو الصَّاب عسلًا، وما كنت لتجتني من البصل وردا في يوم من أيَّام الدهر! ونضيف عليه أنَّ التدليل الذي تقدم به هيوم يجرح نفسه بسكينه الحادة، فالنجار الأحمق لم يكن بتلك الحماقة في الوقت الذي نَجَحَ فيه بتصميم السَّفينة! نعم؛ هو قد يكون أحمق في مرحلة ما من مراحل صُنع السَّفينة نتيجة المضي في عملية التصنيع على غير هدى من

588