مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٥٩٧المبحث العاشر: المستوى العملي
أولا:
القضايا المشهودة
ونعني بها: تلك القضايا التي يُمكن الاحتكام إلى نتائجها ومُحصلاتها من خلال معطياتها الحاضرة بين أيدينا، فنحن لا نحتاج في الحكم بترجيحها إلى النظر في الاحتمالات المستقبلية التي لم نتأكد منها بعد، أو من خلال محاولات هتك حُجب الغيب، وإنَّما يكفينا النظر في الاحتمالات الماثلة أمامنا، والمعطيات التي نستدرُّها من ضروع واقعنا المعاش لنُصدِرَ عليها حكمًا ترجيحيًّا مناسبًا، وسوف يكون حديثنا عن هذا النوع من القضايا محصورًا في زاويتين: التوازن النفسي، والأمن الاجتماعي.
التوازن النفسي
الإنسان يسعى دائما - بطبيعته - إلى الحصول على أكبر قدر ممكن من التَّوازن النفسي، والابتعاد قدر المستطاع عن الاضطرابات والقلاقل التي تُعكر صفو حياته، وتُنغص روقان معيشته، ومن هذا المنظور فإنَّ الإنسان لو كان مترددًا في قضية وجود الله تعالى فلينظر في قرارة نفسه بنفسه، وليُجب عن هذا السُّؤال: هل الإيمان بوجود الله تعالى يُشعره بالطمأنينة والسكينة، ويعمقُ في دواخل وجدانه حالةَ التَّوازن النفسي أم أنَّ الإلحاد هو من يتكفل بهذه المهمة
وليس الإيمان؟!
يجب على الملحد أن يحذر - هنا - من الوقوع في التناقض؛ لأنَّه إن أنكر أنَّ الإيمان يجلب الطُّمأنينة والسَّكينة والتَّوازن النفسي يكون بذلك قد نسف - من دون أن يشعر - كلَّ تلك الفرضيات التي كان يرددها ويتبناها، والتي تزعم بأنَّ الإنسان قد اخترع فكرة الإيمان بالله طلبًا للطُّمأنينة والسَّكينة وهربًا من الخوف والجهل والفضول فضلًا عن أنَّه سينسف الكثير من الدراسات العلمية - بلا مستند سوى أنها تُخالف مزاجه - التي تنص على أنَّ الإيمان مصدر
597