مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٥٩٩المبحث العاشر: المستوى العملي
أنه - وإلى اليوم وبعد أكثر من عشر سنوات تقريبًا - لم تزل الولايات المتحدة الأمريكية تُسجل أعلى نسبة انتحار لجنودها العائدين من حربي أفغانستان والعراق
لعلَّ مصدر ألم هذا الصنف من الملاحدة هو نفسه ما يتغنّى بإنكار وجوده ليل نهار، ألا وهو نفسه وروحه التي بين جنبيه، وفي ذلك مصيبةٌ والله أي مصيبة!! إذ لو كان سبب شقائه جمل على ظهره أو فوق كتفيه لرماه، ولو كان لباس يستره لخلعه ولو كان بيت يسكنه لتركه، ولو كان مكان لرحل عنه، ولو كان عمل لاستبدله، بل ولو كان عضو من أعضائه لقطعه الإلحاد في حقيقته (لا أدريَّة) مُوجّهةً؛ لأنَّ الملحد مهما بلغ مستوى إنكاره لوجود الإله الخالق فهو لا يملك دليلًا يقينيا على ذلك، وإنما يلجأ في أحسن حالاته إلى الإيمان بغيب آخر - غير الغيب الديني - يخترعه ليوهم نفسه به وبصحته!
هي
من
إنَّ هذه الحقيقة تجعل احتمالية وجود إله من عدمه في عقل الملحد - تنزلا مع فكره فقط. الخمسين بالمئة لكل منهما والسُّؤال هاهنا: كيف لعاقل أن يرهن حياته لمثل هذه النسبة الاعتقاد! فما صنيعه إن رجحت كفَّةُ الخمسين بالمئة المقابلة، كفَّةُ الإيمان التي نادت بها الأديان إنَّها الصفقة البائرة الخاسرة. إنَّ الإعصار الذهني الذي يجتاح عقل هذا الصنف من النَّاس إعصار هائل تظهر بعض شواهده في نِسَبِ الانتحار!! إنَّ الملحد يعي خطورة ما يضحك به على نفسه ويُصبّرها به بتافه الأفكار البديلة والأوهام التي يتخيَّل معها موتا بلا حساب! واسألوا أولئك العائدين إلى طريق الإيمان بعد أنَّ زلّت بهم الأقدام وجَنَحَت بهم الأفكار؛ فعند جُهَيْنةَ الخبَرُ اليَقِينُ
إنَّ الجميع مُبتلى بكل أنواع الهموم والابتلاءات، وإنَّما اختلاف المؤمن عن الملحد هنا أنَّ المؤمن يجد في إيمانه بالله تعالى وفي معنى الحياة ترجمةً لامتحانه بسائر الامتحانات - كما أخبره الدين - فلا يبتئس، ويجد في استشعاره معيَّة الله تعالى - خالقه وربه - دوما ملاذا له من اليأس والإحباط وصاحبًا لن يعدمه في كل حين، وكذلك يجد في ذكره الله تنفيسًا ومناجاةً لحبيب ولقريب ولمقتدر على فك ما به من كرب، بل ويجد في وعد الله له بالثَّواب تخفيفا لآلامه وعزاء له على صبره واحتسابه، هذه هي الأرضية الصلبة التي يقف عليها المؤمن، وفي
599