مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٦٠٢

مناجزة الإلحاد

من المعلوم بأن الملحد - بخلاف المؤمن - يتَّخذ من المنفعة معيارا للصَّواب، إلا أنَّه في حال الإيمان الذي يجلب للإنسان الطمأنينة والتَّوازن النفسي نراه قد ناكف معياره السابق وناكته، فلم يُلقِ له بالا، بل وولاه دبره؛ لأنَّه لو طبق معياره هذا - هاهنا - فسيلزمه باعتناق الإيمان ونبذ ما هو فيه من الإلحاد! ونحن لا نتحدث هنا عمَّا يخرج عن مجال المقارنة المحصور في الطمأنينة والتوازن النفسي بين الغريمين الإيمان والإلحاد؛ لأنَّ الملاحدة يعترضون على هذا باعتراضاتٍ تخرج عن مجال المقارنة، كقولهم بأنَّ الإلحاد لا تُوجَد فيه الزامات وعبادات وواجبات ومحرمات ونحو ذلك، ومن ثم فهو مصدر للطمأنينة والراحة … إلخ، ومن هنا يظهر لنا بأن المعترض بنحو هذه الاعتراضات كان همه الأكبر هو اللذة الجسميَّة والشَّهوة الحيوانية والتحرر والانعتاق من القيود - وهذا ما يرفضه الملاحدة كسبب يُلصقه بهم بعضُ المؤمنين لتبرير إلحادهم - بينما حديثنا هنا عن التوازن النفسي!

يضرب بعضُ الملاحدة في أودية الحدس عندما يظنُّون بأنَّ التخلُّص من الطقوس أو القيود الدينيَّة سيقودهم إلى التَّوازن النفسي! لا شكٍّ بأنَّ سهام ظنونهم قد طاشت هنا وأبعدت المرمى، فإنَّ جماعةً كبيرةً من الملاحدة انتقلت إلى الطقوس الدينية للبوذية والجينية ونحوها طلبا للتَّوازن النفسي الذي فقدوه ولم يجدوه في كنائن الإلحاد وقد سبق الإلماعُ - في المبحث الأول من هذا الكتاب - إلى أنَّ بعض الملاحدة في الغرب سعوا إلى الترويج للإصدار الثاني من الإلحاد (Atheism) والذي يشمل بعض الطقوس والشعائر الدينية!

يعترف أندريو سيمز بأنَّ التَّأثير المفيد للإيمان الديني والروحانيات على الصحة العقلية والجسدية هو أحد أكثر الأسرار كتمانًا في علم النفس والطب عمومًا. لو ذهبت نتائج مجلد ضخم من البحث حول هذا الموضوع في الاتجاه المعاكس وخلصت إلى أنَّ الدين يُدمر الصحة العقلية فستكون خبرًا رئيسًا في الصفحة الأولى من صفحات الجرائد على الأرض» (1)!

إذن؛ لماذا كان التّوازن النفسي مفقودا في الإلحاد؟!

كل الأسباب الكثيرة والمتنوعة التي يمكن الإدلاء بها هنا ترجع في نهاية المطاف إلى فقدان الغائية والمرجعية القيمية الموضوعيَّة، فالإلحاد مفتقر إلى هذين الأساسين بشكل ظاهر وواضح، 1 - أحمد حسن، أقوى براهين جون لينكس، ص 545.

602