مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٦٠٣

المبحث العاشر: المستوى العملي

فبينما يعتقد المؤمنُ بأن موته لا يعني نهاية كل شيء، يعتقد الملحد بأن موته هو نهاية الرحلة وللأبد، وبينما يعتقد المؤمن بأنَّ المصائب التي تقع عليه يُمكن أن تكون خيرًا له في دنياه وأُخراه - وهذا ما يجعله ربيط الجأش مُقرنًا لخطوب الدهر - يعتقد الملحد بأنَّها شر محض أنزلته عليه الطَّبيعةُ الغاضبة (1) - وهذا من شأنه أن يفتق بنائق صبره ويحلَّ عُرى عزمه - وبينما يعيش المؤمنُ وهو على يقين من عقيدته مبتعدا عن معتركات الظنون وفيافي الارتياب، يعيش الملحد محتارًا مُعلَّقًا ما له من قرار يبيت ليله رهين، البلابل نجى الوساوس، وبينما يجد المؤمنُ كل الإجابات المقنعة الأسئلة عن الوجودية الكبرى لماذا) جاء؟ وما الغاية؟ وما المصير … ) لا يجد الملحدُ ما يُجيب به عن هذه الأسئلة إلا بإلقامها حجرًا، أو بالتهرب من مواجهتها، أو بالخروج بتوصيفات مادية طبيعية تتنافى مع الطَّبيعة الغائية لها! وقد مر بيان ذلك (2).

لكن الملحد مطمئن نفسيًا كالمؤمن؟!

قد لا نختلف كثيرًا في هذا؛ لأنَّ القرآن الكريم يُشير إلى شيءٍ من ذلك في قوله: إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (يونس:. ولا يُستبعد أن يكون هذا الاطمئنان منسوبًا لأولئك الذين أقنعوا أنفسهم ورؤضوها على تقبل فكرة عدم وجود الله واليوم الآخر، لا أولئك الذين ما زالوا مُعلَّقين لا يعلمون أيَّ السُّبُل يسلكون، إلا أنَّ الاطمئنان يظلُّ عاملا من عوامل التَّوازن النفسي ولا يُناط به كل شيء، ثمَّ إِنَّ الاطمئنان على درجات فالاطمئنان الدنيوي لوحده منقوص ومبخوس ومؤقت، ويختلف عن الاطمئنان الدنيوي والأُخروي النَّام والدائم، بيد أنَّ الاطمئنان الدنيوي لوحده هو علامة. الختم والخذلان والانغماس في الملذات الزائلة؛ إذ كيف يطمئن اطمئنانا تامًا مَن كان يعتقد

على

1 - وكما يقول نيتشه معترفًا بأنَّ رؤيته للطَّريقة التي تنقلب فيها المصائب حظوظًا حسنةً هي التي أغرته بالاعتقاد في وجود الله. (ينظر: ول ديورانت، مباهج الفلسفة، 2/ 274). 2 - تشير هنا إلى الاعترافات التي سطرها الأديب العالمي تولستوي؛ حيث صرح بأنَّه كان يفكر في الانتحار كل يوم بسبب عدم قدرته على إيجاد الإجابات المقنعة حول القضايا الغائيَّة للوجود، يقول تولستوي: "ماذا فعلت عندما نشدت جوابًا على قضيتي - يقصد الإجابة عن الأسئلة الوجودية - بدرس العلوم الطبيعية؟ رغبتُ في معرفة السبب الذي أعيش لأجله، لذلك درست كل شيء ما خلا نفسي، ولا شك أنَّني تعلمت أمورًا كثيرة بهذا الدرس، ولكنني لم أتعلم شيئًا مما كنت في حاجة إليه. وماذا فعلتُ عندما نشدت الجواب في درس علم الفلسفة؟ درستُ أفكار الذين كانوا في نفس الحالة التي كنتُ فيها، يجهلون الجواب على السؤال (لماذا أعيش؟) وواضح أنَّه لم يكن لي أن أتعلم بهذه الطريقة إلا ما عرفته من قبل، وهو أنَّه يستحيل علي أن أعرف شيئًا ..... وانتهى به المطاف معترفًا بأنَّ الإيمان وحده هو الذي يجب عن هذه التّساؤلات كما ذكرنا سابقا. (اعترافات تولستوي، ص 81).

603