مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٦٠٤

مناجزة الإلحاد

بأنَّ الموت فناء أبدي لوجوده، ونهاية كلية لمأموله، فكأنَّه ما جاء لهذه الدنيا إلا ليموت وينقضي

كلُّ ما عمله من خير أو شر، ويضيع من بين يديه كل حيّ أُخِذ منه بغير وجه حق! ولا يتوهمنَّ الملحدُ أنَّ بعض الاطمئنان الناقص والمؤقت - الذي قد يشعر به - سوف يجعله سعيدًا في نهاية المطاف، فكثيرًا ما تكون الأمور المؤقتة ماتعة وتفي بالغرض المحدود، إلا أنَّ نتيجتها كارثية على النفس والبدن على حدٍ سواء، فلا تغُرُّك نشوةُ السَّكران في حال سكره! فالإيمان غريزة فطرية - كما سبق بيان ذلك - وكلُّ الغرائز إن لم تُلبَّ كانت لها مضاعفات سلبيةً على الشَّخص، فإذا كان الجسم لا يقوم إلا على الطَّعام والشراب، فكذا النَّفس لا تقوم إلا على الإيمان. الأمن الاجتماعي

إنَّ الحفاظ على أمن أي مجتمع رهين بالقيم الأخلاقية التي يتحلى بها أفراده، فإذا ما تم اختطاف القيم الأخلاقية، أو التقليل من شأنها، أو جعل معياريتها خاضعةً للمجتمع أو المنفعة أو الفرد أو أي مرجعية نسبية أخرى - كما مرَّ بيان ذلك في مبحث الأخلاق - فإنَّ المجتمع سيهدم بيديه سياج سلامته، وسيُبددُ نوازع أمنه الاجتماعي، ومن ثم سيؤول إلى التردي والانهيار عاجلا أو آجلا.

إذا ما افترضنا بأنَّ الإلحاد - الذي لا يجد أي مبرر موضوعي ومُلزم للأخلاق - قد ساد في مجتمع من المجتمعات، فاقرأ على ذلكم المجتمع السلام؛ لأنَّ الإلحاد لا عهد له ولا ذمة! نعم؛ يوجد ملاحدة - كأشخاص - أمناء وأفياء، لكن لا يُوجد إلحاد أمين ووفي، فالإلحاد يعمل وفق آليات المنفعة الشَّخصيَّة ووفق مقتضيات قانون الصَّراع من أجل البقاء! يقول مؤسس الليبرالية الحديثة جون لوك في كتابه (رسالة في التّسامح): "لا يُمكن التسامح على الإطلاق مع الذين يُنكرون وجود الله، فالوعد والعهد والقسم من حيث هي روابط المجتمع البشري ليس لها قيمةٌ بالنسبة إلى الملحد، فإنكار الله حتَّى لو كان بالفكر فقط يُفكّكُ جميع الأشياء)

(1) c

كيف تثق في الإلحاد وهو لا يُعطي أدنى اعتبار للعهد والولاء والقسم؟!! إنَّ العهد والولاء والقسم من ضرورات التّعامل والتَّقاضي في كثيرٍ من جوانب علاقات البشر التي تربط بعضهم

1 - جون لوك، رسالة في التسامح، ص 57.

604