مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٦٠٧

المبحث العاشر: المستوى العملي

تصوّر ما الذي سيقوله أولئك للملاحدة؟! كيف سيدعمونهم معنويا؟! سيقولون لهم: "أنتم مجرد وسخ كيميائي"! أم يقولون لهم: "اذهبوا إلى وَهدَة العدم وهُوَّة الفناء الأبدي“!! ثمَّ لو نظرنا إلى الإنسان الذي يُعدُّ حجرَ الزَّاوية في بناء أي مجتمع، ما الذي يجعله يميل إلى الكمال الأخلاقي؟! هل الإيمان أو الإلحاد؟! إِنَّ الإلحاد - بما يملكه من منطلقات وأُسس ولوازم - لا يقوى على توجيه الإنسان نحو الكمال الأخلاقي إلا بفرض القوانين - والتي ليس لها مرجعية قيميَّةً موضوعيَّةً ومطلقة - والقوانين لا تعمل إلا في نطاق الأمور الظاهرة فقط، بينما الإيمانُ يُوجّه الإنسان إلى الكمال الأخلاقي في السر والعلن، ولا يخفى على أحدٍ ما للسر والخفاء - الذي لا تطاله القوانين - من عميق أثر في صميم بنية الأمن الاجتماعي. على لسان (ماثيو) يقول المؤرخ اللاأدري ول ديورانت ما نصه: "الدين لم ينزع عن الموت ما فيه من ألم فقط، بل ملأ الحياة جمالا بالطقوس والبناء والنَّحت والنقش والدراما والموسيقى، فقد رفع أحداث الروتين في حياة الإنسان من الولادة إلى الزواج ثم الموت، إلى مستوى السر المقدس، وجعل هذه الأمور العادية تجارب مقدَّسة، ومد جذورها في النفس بالشُّعور، وخيَّلها للنَّاس بالفن، لقد بدل مأساة الحياة الحقيرة إلى رحلة شاعريَّةٍ يحج فيها المرء إلى نهاية شريفة، وبغير الدين تُصبح الحياة سخيفةً وضيعةً كبدنٍ بغير نفس .....

ويقول على لسان (بول) ما نصه: "قيمته - أي الدين - بالنسبة إلى المجتمع لا تقل أهميَّة. إنَّ الاحتفال الديني بالزواج لم يعظم هذا الحادث في نظر الشَّريكين المرتبطين فقط، بل ربطهما برباط وثيق من الزواج الذي يقوم على عمق العاطفة والخشية ممَّا يُضفيه الدين على ذلك الأمر الذي بغيره إنما يكون مجرد إباحة المضاجعة. وقد أدى الدين بهذه الشبل إلى استقرار الأسرة وإلى استقرار الدولة تبعا لذلك. وأينما وجهت نظرك في حياة الإنسان الجارية رأيت الغرائز الفرديَّة أقوى من الغرائز الاجتماعيَّة، والغريزة التَّناسلية - وهي أقواها جميعًا - ليست بالضرورة اجتماعيَّة، وقد تُؤدي إلى التفكك والفوضى كما هي الحال اليوم، ووظيفة الدين الكبرى بما فيه من أسرار مقدَّسة وتعاليم خُلقيَّةٍ ووعد بالجنة … أن يدعم دوافع الإثار - أو إن شئت فقل دوافع المعاونة والتعاون - لتقاوم دوافع الأثرة القديمة التي ربيت في أحضان آلاف السنين من

1 - ول ديورانت، مباهج الفلسفة، (2/ 274).

607