مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٦١

المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته

إبيقور

الشَّر - إن صحت نسبتها إليه - لم تكن لإنكار وجود الله؛ بل لإنكار التَّوحيد والإفراد، فهو في أسوأ الأحوال يُؤمن بتعدد الآلهة، ويرفض التوحيد والإفراد؛ ولذلك تراه يردُّ على عقيدة التَّوحيد بمعضلة الشر، ومن هنا أساء فهم القضيَّة كثيرون ممن كتبوا عن إلحاده، فإبيقور يدعو إلى القول بأنَّ الآلهة موجودون، ويدل على وجودهم؛ أولا: إنَّهم موضوع في الإنسانية جمعاء، والفكرة السَّابقة تتكون بتكرار الإحساس، وكل إحساس يتكرر فهو صادق، وأساس هذه الفكرة السَّابقة الخيالات التي تتراءى لنا في المنام وفي اليقظة، والتي لا بد أن تكون منبعثةً من الآلهة أنفسهم. ثانيا: عندنا فكرةُ وجودِ دائم سعيد، والآلهة يُقابلون هذه الفكرة. ثالثًا: لكل شيءٍ ضد يُحقق المعادلة في الوجود، فلا بُدَّ أن يُقابل الوجود الفاني المتألم وجود دائم سعيد، ويجب أن تُصوّر الآلهة على أكمل وجه).

ومن

وأخيرًا ظهرت مدرسةُ الشَّك واللاأدرية بزعامة الفيلسوف اليوناني بيرون (Pyrron)، ويبدو أنَّ هذا المنهج الشَّكي لم يكن ثمرةً للبحث الفلسفي العميق، بل كان وسيلةً للسَّعادة، وذريعةً لتخفيف ويلات الحياة، مأثور قول بيرون: "لستُ أدري، ولستُ أدري أنَّني لا أدري، ولا أساس للمعرفة، لا العقل ولا الحواس» (3). وقد كان هؤلاء يزعمون بأنَّ كلَّ القضايا تحتمل قولين، ويُمكن إيجابها وسلبها بقوة متعادلة متكافئة، وأنَّ الحكمة تكمن في العدول عن الإيجاب والسَّلب، وفي الامتناع عن الجدل، والأخذ بالوقوف (4)، بل كانوا يُدخلون الشَّكَ في كل أشكال اليقين، ولذلك يقولون لكل شيء: "يبدو كذا“. ولا يقولون: "هو كذا. بل فوق ذلك يستخدمون عباراتٍ من قبيل: "ربما، ولعل، وقد“ قبل كل

بيرون

1 - يُنظر: يوسف كرم، تاريخ الفلسفة اليونانية، ص (261). ويرى محمد أبو ريان أنَّ إبيقور كان يرفض الوجود الإلهي المؤثر مع إيمانه بوجود الآلهة. يُنظر: محمد أبو ريان تاريخ الفكر الفلسفي، 2/ 258 - 266). بل إنَّ مجادلة إبيقور بمعضلة الشَّر قد لا تصح نسبتها إليه، فليس من مصدرٍ قديم لها سوى ما ذكره بعض المتأخرين عنه كديفيد هيوم كما أشار إلى ذلك بعض الباحثين. 2 - بيرو أو بيرون (360 - 370 ق. م) هو أوَّل من قدَّم نظرةً تشككيةً شاملةً في اليونان ولم يُخلّف أي كتابات، وندين بمعرفتنا لأفكاره لتلميذه نيمون. (يُنظر: ولتر ستيس، تاريخ الفلسفة اليونانية، ص 294). وفي الحقيقة يُعتبر الفيلسوف أنيسديموس المؤسس الأول لهذه المدرسة في القرن الأول قبل الميلاد، وليس بيرون حسب ما هو شائع.

3 - أحمد أمين، قصة الفلسفة اليونانية، ص 406.

4 - يُنظر: يوسف،کرم تاريخ الفلسفة اليونانية، ص 278.

71