مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٦٢مناجزة الإلحاد
ملحوظة من ملحوظاتهم، فهذه المدرسة مدرسة كسولة متقاعسة لا تهتم بالبحث والمعرفة ولا تُبالي بهما، فهي بهذا موقف عاجز وخامل، يستند إلى خُص مائل! وكذا موقف بعض السفسطائيين القائلين باستحالة المعرفة الموضوعية، وأنَّه لا سبيل إلى نفي الآلهة أو إثباتها). فهو كذلك موقف عاجز متخاذل، ومثله موقف من خُيّل إليه أنَّ الوصول إلى الحقيقة غير ممكن، فشكَّ وتشكَّك وقال: لا أدري. ولعلَّ أفضَلَهم حالا مقارنة بهم: الاحتماليون الذين:
يُرجحون ولا يُبرهنون
إضَاءَةً
يقول برتراند راسل: كان المتشككون القدامى يُؤدون كل شعائر الوثنية، بل كانوا أحيانًا كهنةً لها، وأكد لهم مذهبهم في التّشكُك أنَّ هذا الضرب من السلوك يستحيل أن يقوم برهان على بطلانه (3). إذن؛ فالمتشككون أنفسهم يُطبّقون مذهب الشَّك على مستويات معينة ومحددة، بل إنَّهم كانوا يُسلمون بصحة وجود الظواهر ولم يُشككوا فيها). إنَّ ظهور السَّفسطة كان علامة فارقةً في جبين الفلسفة اليونانية، فهي من أوجدت عهدًا جديدًا حاول الخروج من صندوق الجماعة، وأحدث كُسورًا غائرةً في مفاصل التقاليد الثالدة والعادات السائدة، فأعلن عن قناعاته الشخصية حسب ما تُمليه عليه إرادته العاقلة)، وإذا كان الفلاسفة يسيرون في طُرُق خاصة بهم فإنَّه لم يكن من المستغرب أن يشتبكوا مع عقائد الدولة في مدنهم، ومن ثم تبتلعهم دوامة العراك والصراع والتلديد، وهو مصير يتعرض له جميع أصحاب العقول في كل زمان ومكان (6)؛ ذلك لأنَّ العقول المفكّرة ترفض مظاهر الوثنية من عبادة للأحجار والأجرام واشتغال بالسَّفاسف والترهات البسابس، فلا غرو أنْ تُعارِضَ ما يُخالف
المستقلة
الفِطَرَ السليمة المتقدة.
1 - يُنظر: ولتر ستيس، تاريخ الفلسفة اليونانية، ص 294.
2 - يُنظر: موريس كروزيه وآخرون تاريخ الحضارات العام، ص 338.
- برتراند راسل، تاريخ الفلسفة الغربية، (1/ 365).
4 - يُنظر: المرجع السابق، (366/ 1).
ه - يُنظر: مصطفى النشار، تاريخ الفلسفة اليونانية، (2/ 10). 6 - يُنظر: برتراند راسل حكمة الغرب، (33/ 1).
62