مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٦١١المبحث العاشر: المستوى العملي
إن جميع قراراتنا ناتجة عن الرغبات والأسباب، فـ" الاختيارات القائمة على أدق منطق ولكن تفتقر إلى أي رغبة؛ هي اختيارات فارغةً من المعنى. ولكنَّ الرغبة بدون سبب هي رغبة واهنة عاجزة، ولا تصلح إلا لطفل ثائر يرغب في العودة إلى المنزل وعدم العودة إليه في الوقت ذاته .... المعقولية خاصيَّةٌ تتّسم بها أنماط الاختيار، وليس الاختيارات الفردية نفسها؛ فلا يوجد شيء غير عقلاني في الرغبة في العودة إلى المنزل، ولكن ثمة شيئًا خاطئًا في الرغبة في العودة إلى المنزل وعدم الرغبة في العودة إليه في الآن عينه. لا يوجد شيء غير عقلاني في اختيار أحدهم تعاطي الهيروين، ولكن اختياره هذا يبدو شاذا إذا ما اختار بالتَّوازي معه أن يتجنَّب احتمالية التّعاسة واليأس والموت»).
عند
إنَّ نظرية القرار تُؤكد بأنَّ عمليّة اختيار القرار المناسب من بين عدة احتمالات تتوقف على الأمان مستوى ودرجته في كل احتمال، وهذا بدوره يؤدي إلى اتخاذ القرار الذي يخرج بأقل الأضرار الممكنة عمليا فيما إذا كانت المصالح والمفاسد موجودةً في كل الاحتمالات المطروحة التَّأمل والنَّظر فيها، وهذا التّصرُّف وفق ما تمليه نظرية القرار هو التصرُّف الواعي والمتزن، وهو تصرُّفُ العقلاء الأكياس الذي لا يروغ عنه إلا المتهورون والمستهترون! ونحن إذا ما زعمنا - كما يزعم الملاحدة - بأنَّ براهين الإيمان غير كافية، فإنَّ بيننا وبين العاقل منهم ما يُمكن أن يحسم الأمر - عمليا - بضربة ترجيحيَّةٍ تُسددها نظريَّةُ القرار لصالح أحد المتعاركين: الإيمان -
أو الإلحاد. لقد جئنا إلى هذه الحياة دون أن يستأذننا أحد - وهذا دليل وعلامة على ضعفنا وقلة حيلتنا - ثم وجدنا أنفسنا أذلاء تحت قهرِيدِ الموت الذي يقض مضاجعنا ويُهددنا في كل لحظة، فتساء لنا على إثر ذلك: هل الموت هو نهاية المشوار أم أنَّ هناك عالمًا آخر بعده سنحاسب فيه على أعمالنا؟! وهل هناك ثواب وعقاب؟! وهل هناك حياة أخرى يكون فيها الجزاء من جنس
أعمالنا؟! وهل هناك براهين تدل على وجودها!! وما مقدار نسبة ترجيح هذه البراهين؟! إِنَّ الإيمان يُقيّد رغباتنا وشهواتنا، ويُكلّفنا بأمورٍ لا نريد أن نقوم بها، بينما الإلحاد على النقيض من ذلك، فنحن أحرار فى هذه الحياة، لا يُوجَد فيها ما يُقيدُ رغباتنا وشهواتنا، أو ما
1 - مايكل، ألينجهام نظرية الاختيار، ص (10 - 11). بتصرف“.
611