مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٦٣المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
ونلفت النظر إلى أنَّ مذاهب الفلاسفة ونظرياتهم قد تكون تطبيقاتها على مستويات محدودة، فقد يكون بعضهم مادي النزعة لكنَّه مؤمن بوجود الإله، فلا تلازم بين الأمرين؛ إذ إنَّ هذا الإلزام مُحدث في العصر الحديث، فإبيقور على سبيل المثال كان ماديا يدعو إلى عدم تجاوز ما تأتينا به الحواس، وأنَّ العالم جاء صدفةً واتفاقًا، وأنَّ أصل الوجود هو الذرات ()، لكنَّه هذا كله كان يؤمن بالآلهة، ومثله كثيرون يلتقون معه في الخط نفسه.
مع
أنهم
لقد غفلت جماعةٌ من العلماء والمفكرين عن أنَّ البحث الطبيعي عند اليونانيين لا يعني كانوا منكرين للإله والعالم الروحي! يقول الفيلسوف الإسلامي محمد حسين الطباطبائي عن الفلاسفة الطبيعيين الذين تمَّ تسليط الضوء عليهم باعتبارهم ملحدين: "إِنَّ هؤلاء ومن لف لفهم من المتوغلين في البحث عن مظاهر الطبيعة وهم الذين يعتبرهم المادي أسلافا له؛ اغترارًا بتعليلهم الحوادث الطبيعية بعللها … لكنه فاته أنَّ الإيمان بالنواميس والعلل المادية لا يلازم الإلحاد والإنكار … وما زعمه المادي دليلًا لإلحادهم فهو من أفحش الأغلاط … ضع يدك على المئات المؤلَّفَة من كُتُبهم تجدها مليئة بالبحث عن المادة الأولى والعِلل الطبيعية، ولكن ذلك لم يصدهم عن التأليه والإيمان بما وراءها … وكفذلكة لقضية الإلحاد في بلاد الإغريق، فإنَّنا لم نعثر على إلحادٍ صريح يُنكر الوجود الإلهي، كُلُّ ما هنالك هو منقول خجول لا يكاد يُبين أو تشكيك كسول ملول، أو ربوبية
(^) co
مترددة سطا عليها العَلَز والقلق، والزَّاعم بغير ذلك ليس بأوَّل مَن غَرَّه السَّراب".
- يُنظر: نديم الجسر قصة الإيمان، ص (48 - 49). - محمد حسين الطباطبائي أصول الفلسفة، ص (40 - 43).
63