مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٦٢٣

المبحث الحادي عشر: كبريات الاعتراضات الإلحادية

سنجد أنَّ فرضية السببية ليست على مستوى عالٍ من المصداقية! لربما قلتُ بأنني حين كنتُ شابا كنت أجادل بخصوص هذه الأسئلة بكل ما أوتي عقلي من طاقة، ولقد قبلت لوقت طويل فرضيَّة المسبب الأوَّل، حتى جاء اليوم الذي تخليت فيه عنها، وذلك بعد قراءتي لسيرة جون ستيوارت مل، حيث قال: "لقد علَّمني والدي إجابة السُّؤال عمن خلقني، وبعدها - مباشرةً- طرحت سؤالًا أبعد من هذا: (من خلق الإله؟!). إنَّ هذه الجملة القصيرة علمتني - إلى الآن. كيف أنَّ مبدأ المسبب الأول هو مبدأ مغلوط وسفسطائي، فإذا كان لكل شيء مسبب فيجب أن يكون الله مسبب أيضًا!! وإذا كان كل شيء بلا مسبب فسيكون العالم هو الله!! لهذا وجدت أنَّه لا مصداقية في هذه الفرضيَّة، إنها - تمامًا - مثل الفرضية الهندوكية التي تقول: إنَّ العالم رقد على ظهر فيل، وإنَّ الفيل رقد على ظهر سلحفاة، ثمَّ حين يُقال: وماذا عن السلحفاة؟! يُبادر الهندي بالإجابة: "دعنا نغير الموضوع! إِنَّ السَّببيَّة ليست بأفضل حال من السلحفائية، إننا لا نُدرك السبب الذي من أجله جاء العالم بلا سبب، وكذلك في الضفة المقابلة لا نستطيع إدراك لماذا كانت السببية غائبةً وغير موجودة على الدوام! إنَّه لا يُوجد أي داعٍ لنفترض من خلاله أنَّ العالم له بداية، إنَّ فكرة وجود بداية لكل شيء سببها فقر مخيلتنا عن هذا العالم، ولهذا على الأرجح لن أهدر مزيدًا من وقتي وأنا أجادل عن السبب الأول». (1)

الإجابة نفسها التي قدمها برتراند راسل وجدنا صداها في الجانب العربي عند صادق جلال العظم؛ إذ يقول هو الآخر مقلدا لراسل: "لنفترض أنَّنا سلَّمنا بأنَّ الله هو مصدر وجود المادة الأولى؛ هل يحل ذلك المشكلة؟ هل يجيب هذا الافتراض عن سؤالنا عن مصدر السديم الأول؟ والجواب هو طبعًا بالنفي. أنت تسأل عن علة وجود السديم الأول وتجيب بأنَّها الله، وأنا أسألك بدوري وما علة وجود الله؟ الله؟ وستجيبني بأنَّ الله غير معلول الوجود، وهنا أجيبك: ولماذا لا نفترض أنَّ المادة الأولى غير معلولةِ الوجود، وبذلك يحسم النقاش دون اللجوء إلى عالم الغيبيات وإلى كائنات روحيَّةٍ بحت لا دليل لدينا على وجودها … “. (2)

1 - برتراند راسل لماذا لست مسيحيًّا، ص (18 - 19)، بتصرف.

2 - صادق جلال العظم، نقد الفكر الديني، ص 28.

623