مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٦٢٧المبحث الحادي عشر: كبريات الاعتراضات الإلحادية
محال، فالشَّيء إما أن يكون مخلوقا وإما أن يكون خالقًا، فلو كان مخلوقا استحال أن يكون خالقًا، ولو كان خالقًا استحال أن يكون مخلوقا.
ويُمكن تشبيه هذا التناقض الحاصل في سؤال (مَن خَلَقَ الله) بالتناقض الحاصل في الأسئلة المتناقضة الأخرى من قبيل: (كم يبلغ طول الضلع الرابع للمثلث؟)، أو (من الذي قتل الشَّخصَ غير المقتول؟)، أو (من خلق الشَّيء غير المخلوق؟)، أو (من هي زوجة غير المتزوج؟). فالمثلث لا يكون مثلثا إن كان له أربعة أضلاع والشخص الذي تم قتله لا يُمكن أن يكون غير مقتول في الوقت نفسه، والشَّيء غير المخلوق لا يُمكن أن يكون مخلوقا، والشَّخصُ غير المتزوج لا يُمكن أن تكون له زوجة، ومثل هذه الأسئلة ينكشف سراعًا وجهها المغلوط الزائف بمجرد انحسار جزء صغير من لثامها، وقد صَدَقَ من قال: "حينما يتمكنون من جعلك تسأل أسئلةً خاطئة، فلن تقلقهم كيفية إجابتك“!
كذلك يُعتبر سؤالُ (مَن خَلَقَ الله) في سياق إنكار وجودِ الله مغالطة منطقيَّةً تُعرف بمغالطة عدم الترابط (Non sequitur) فالحجَّةُ المفترضة في السُّؤال لا ترابط بينها وبين النتيجة المرجوة منها وهي إنكار وجود) الله؛ لأنَّ معرفتنا لعِلَّة وجود الله لا علاقة لها بإنكار وجوده، بل العكس هو الصحيح، فمعرفتنا تلك لها علاقة مباشرة بإثبات وجود الله، لكنَّها علاقة تسلب عنه صفةَ (واجب الوجود)، ومن ثم يترتب على ذلك - ضرورةً - البحثُ عن واجب الوجود الحقيقي!! أيضًا يُعتبر سؤالُ مَن خَلَقَ الله) في سياق إنكار وجود الله مغالطة منطقيةً تُعرف بمغالطة القناص (The Sharpshooter)؛ حيث يقوم الملحد بالاحتجاج بالمعطيات التي تدعم موقفه ويتجاهل المعطيات التي تهدم موقفه وتتصادم معه، فتراه يقوم بتفعيل جانب محدَّدٍ من قانون السببية - حسب ظنه - وتطبيقه على الله في الوقت الذي يقوم فيه بتعطيل قانوني: امتناع التّسلسل، وعدم اجتماع النقيضين أو تراه يقوم بتفعيل التَّصورِ دون التَّعقُلِ في الوقت الذي يجب فيه تفعيل التَّعقُل على حساب التَّصور!
المرمى المنطقي للسؤال
يفترض الملاحدة - بدون أساس منطقي - أنَّ سؤال (مَن خَلَقَ اللَّه) يُمثل دليلًا مُفحِمًا بيد الإلحاد على عدم وجود الله؛ بحيث إنَّ المؤمنين إذا ما عجزوا عن الإجابة عنه فإنَّ الأمر
627