مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٦٢٩المبحث الحادي عشر: كبريات الاعتراضات الإلحادية
سيئا، وما ظنَّه الملاحدة لا يعدو كونه ضربًا من المغالطات المنطقية المعتادة - والتي تجري على ألسنتهم كجريان الماء الباثق المكثار في جداوله - والذي يُعرف بمغالطة رجل القش (Straw Man Argument)، فقانون السببية بالصيغة التي يتبناها الملاحدة مُحرَّفٌ ومَصحف،
وكان من شأن هذا أن اقتادهم إلى مرابع الخطأ. وسوء الفهم لحجة الطرف الآخر. إِنَّ قانون السببية يُصاغ على النحو المنطقي التّالي: (لكل حادث مُحدِثُ)، أو (لكل ممكن علة)، أو (لكل مُسبَّبٍ مُسبّب)، أو (لكل موجود فقير مُوجِد غني)، ومن ثمَّ فَإِنَّ الله ليس بحادث ليكون له مُحدِثُ، وليس بممكن ليكون له علة، وليس بمُسبب ليكون له مسبّب، وليس بموجود فقير ليكون له مُوجِدٌ غني؛ لأنَّه لو كان شيء من ذلك صحيحًا لما كان خالقًا، ولما كان إلها من الأساس ولئن كان شيء من ذلك صحيحًا لوجدنا بأنَّ الملاحدة أنفسهم - في موقف جدالي آخر غير هذا - هم أوَّل النَّاس في نفي وجود مثل هذا الإله؛ إذ كيف يكون إلها وهو مخلوق أو مُحدَثُ أو مصنوع؟! (1)
(2) - من سوء فهم الملاحدة أنَّهم ماثلوا بين المتفارقين فجعلوا ما ينطبق على المخلوق ينطبق على الخالق، فإذا كان المخلوقُ مفتقِرًا إلى عِلَّةٍ تُوجده، فإنَّ الخالق هو الآخر مفتقر إلى عِلَّةٍ تُوجده!! إنَّهم يقعون هنا في مغالطة التركيب (Fallacy of composition) فإذا كان الله موجودًا فإنَّ ما ينطبق على الموجودات الأخرى ينطبق عليه، فافتقار الموجودات إلى عِلَّةٍ يلزم منه افتقارُ الله إلى عِلَّة بحكم الاشتراك في الوجود حسب زعمهم!
(3) - من سوء فهم الملاحدة أنَّهم أخذوا بـ (قياس التَّمثيل بين وجود الخالق ووجود المخلوق، وعملوا بما يقتضيه هذا القياس الفاسد، فأورثهم ذلك إرباكا وتعشفًا شديدين، جعلهم يبادرون بهذا السؤال الغالط والمتناقض! ويُذكرنا هذا بما سطره المفكر الإسلامي مصطفى محمود - بعد عودته إلى طريق الإيمان - قائلًا: "لقد غابت عني أصول المنطق، ولم أدرك أني أتناقض مع نفسي، إذ كيف أعترف بالخالق ثمَّ: أقول: ومَن خلق الخالق. فأجعل منه مخلوقا في الوقت
1 - يُواجه المعترض القائل بـ (ضرورة وجود علة لكل موجود) بالسُّؤال الآتي: ما الدليل على أنَّ لكل موجود علة؟! فإن لم يكن لديه دليل سقط، اعتراضه، أمَّا إن استدلَّ بالدليل المعتاد، وهو الخبرة البشرية القاضية بأنَّ كلَّ ما حولنا يقوم على العلل والأسباب، قيل له: إنَّ استدلالك قائم على الموجود المادي؛ بمعنى أنَّ كل موجود مادي له علة، وليس كل موجود كما تدعي مقدمتك!! وهذا يؤكد أنَّ مناط الاحتياج إلى العلة ليس الوجود بل شيء آخر، وهو الإمكان الماهوي أو الإمكان الفقري.
629