مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٦٣٠مناجزة الإلحاد
الذي أسميه خالقا، وهي السفسطة بعينها (1) نعم؛ لو كان سبب الكون مخلوقا لتوَاصَل تسلسل العِلل، ولصح السُّؤال عن ذلك إلى أن ينقطع التسلسل عند الوصول إلى الخالق. أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (النحل: 17).
(4) - من سوء فهم الملاحدة أنَّهم يتحدثون عن الله - وفق سؤالهم عمَّن خلقه - دون أن يفهموا أبسط الصفات الواجبة له فالله يجب أن يكون واجب الوجود، يجب أن يكون كاملا غير
محتاج، فإذا ما تعين سؤال (مَن خَلَقَ الله) سيصبحُ المقصود بـ (الله) شيئًا آخر غير الله! (5) - من سوء فهم الملاحدة أنَّهم لا يُفرقون بين التَّعقُل والتَّصور، فالتَّعقُل يضطرنا إلى الاعتقاد بوجود واجب الوجود الذي لا أوَّلَ له وإن كنا لا نستطيع أن نتصور وجود موجود لا سبب له؛ لأنَّ التَّصوَّر يخضع فقط لما ينطبع في الذهن من الصُّوَر، والله ليس مادَّةً حتَّى يتم تصوره! وعلى هذا؛ فإنَّ نفي التَّصور لا يلزم منه نفي التَّعقُل، فنحن عندما نسمع صوتًا من خلف الجدار، نتعقل وجود سبب يقف وراءه وإن لم نتصوّره، وعدم قدرتنا على تصور السَّبب
(2)
الحقيقي للصوت لا يعني إلغاء ما أثبتَهُ تعقلنا، فالأوّل جهل وظنُّ والثَّاني علم ويقين. (6) - من سوء فهم الملاحدة أنهم يسألون عن سبب وجود الله، مع أنَّ السَّبب نفسه لا يمكن إلا أن يكون مخلوقا، والمخلوق لا يتقدم على الخالق!
(7) - من سوء فهم الملاحدة أنَّهم يُجيزون التسلسل في العِلَل المؤثرة إلى ما لا نهاية، مع أنَّ ذلك من لازمه عدم وجود المعلولات بأسرها!
(8) - من سوء فهم الملاحدة أنَّهم يعتقدون بوجود زمان يسبق وجود الله، ومن ثم فإنَّ الله قبل ثمَّ أي زمان حدَثَ فيه سبب وجود الله؛ ولذا فهم عندما يطرحون سؤالهم (مَن خَلَقَ الله) يعتقدون بأنَّ هناك زمانًا يسبق وجود الله، ولا يعلمون بأنَّ الزَّمان مخلوق من الأساس!
1 - مصطفى محمود، رحلتي من الشك إلى الإيمان، ص 8.
2 - من المفارقات أنَّ برتراند راسل يعترف بأنَّ وجوب وجود بداية للأشياء عائد إلى نقصنا وعجزنا، يقول راسل: "والفكرة القائلة بأنَّ على الأشياء أن يكون لها بداية تعود بالحقيقة إلى فقر خيالنا. (برتراند راسل لماذا لست مسيحيًّا، ص 19). وهذا يُذكرنا بالحقيقة الواقعية التي تدلُّ على أنَّ بعض فلاسفة الغرب لم تكن عندهم معايير التفريق بين التصور والتَّعقُل معلومة، مع أنَّ هذه المعايير بمثابة الأبجديات الفلسفية عند فلاسفة الإسلام!! ولا غرابة من أن تجد فيلسوفا غربيًا كبيرًا لا يفرق بين الحمل الذاتي والحمل الشائع الصناعي، أو لا يفرق بين المعقولات الفلسفية الأولى والثانية ونحو ذلك مما أُشبع بحثًا في الفلسفة الإسلامية، ومن ينقضي عجب المتعجب من وجود الكثير من الأخطاء والإشكالات الشنيعة في الفلسفة الغربية.
هنا
630