مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٦٣١

المبحث الحادي عشر: كبريات الاعتراضات الإلحادية

(9) - من سوء فهم الملاحدة أنَّهم يُطالبون بوجود خالق للخالق، ولا ينظرون إلى حقيقة أنَّ احتياجَ الشَّيء إلى عِلَّةٍ تكمن في افتقاره (فاقد الشَّيء لا يعطيه)، فإذا لم يكن مفتقرًا إلى الشَّيء لم يكن محتاجًا إليه!! إِنَّ السُّكَرَ لا يحتاج إلى سُكَّرٍ ليكون حُلوا، والملح لا يحتاج إلى ملح ليكون مالحًا؛ لأنَّ ذات هذه الأشياء مكتفية بنفسها من هذه الحيثية. وأنت عندما ترى رجلًا يجلس على كرسي ثابت في إحدى الطرقات، ثم ترحل بعيدًا لتعود إلى المكان ذاته بعد مرور عدة ساعاتٍ فلا تجد الرَّجُل ولا الكرسي في مكانيهما، فمن العقل والمنطق - ساعتها - أن تسأل عمَّن أخذ الكرسي؛ لأنَّه لا يتحرك دون فاعل، لكنَّك لن تسأل عمَّن أخذ الرَّجُل؛ لأنَّه مكتفٍ بذاته في هذه الحالة ولا يحتاج إلى فاعل من المنطقي أن تسأل - مثلا - عمَّن طَرَقَ الطَّرقة، أو عمَّن طَبَخَ الطَّبخة، لكن من غير المنطقي أن تسأل عمَّن طَرَقَ الطَّارِق أو طَبَخَ الطَّابخ!! بل حتَّى في فلسفة العلم الطبيعي نجد بأنَّ التَّفسير لا يحتاج إلى تفسير؛ لأن احتياجه إلى تفسير سيقودنا إلى تسلسل غير منقطع، وهذا يؤدي إلى فشل كل التفسيرات المطروحة في نهاية المطاف وعدم الوقوف على أرضية نبني عليها معارفنا.

(10) - من سوء فهم الملاحدة أنَّهم ظنُّوا بأنَّ العِليَّة اعتباريَّةٌ وليست حقيقية، فإذا كان الخالق عِلَّةً للمخلوق فمن الممكن أن يكون المخلوق عِلَّةً للخالق، ومن ثم نقول: ”مَن خَلَقَ الخالق“!! وهذا غير صحيح بالمطلق؛ لأنَّ ذلك يلزم منه تغيير حقيقة الشَّيء وواقعيته، فمثلا: لا يُمكن أن يأتي العدد (3) إلا بعد العدد (2)، ولو وضعناه بعد العدد (1) لتغيرت حقيقته وواقعيته! وهكذا بالنسبة إلى العِليَّة بين الخالق والمخلوق.

(11) - من سوء فهم الملاحدة أنَّهم لم يُفرِّقُوا بين الصفة الذاتية والصفة العَرَضيَّة، فالصفة الذاتية للشَّيء لا تنفتُ عنه، وذلك كصفة السيولة للماء السَّائل، وأما الصفة العَرَضيَّة فهي الصفة التي تنفك عن الشَّيء، وذلك كصفة الضَّخامة في الجسم؛ لأنها تعتمد على المقارنة وليست لازمة له. وقد تبين لنا من خلال بُرهان الوجوب والإمكان أنَّ صفة (الوجود) واجبةً لله تعالى، فهي صفةٌ ذاتيَّةٌ وليست عَرَضيَّة، ولأنَّها كذلك فهي لا تحتاج إلى مَن يُوجِدُها، فوجودُها هو عَينُ وجودها. يقول الفيلسوف أبو يوسف الكندي: "العارض إذن في المعروض فيه مستفاد غيره، فهو مستفاد من مفيد، فهو أثر في المعروض فيه والأثر من مؤثر؛ لأنَّ الأثر والمؤثر من

من

631