مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٦٣٢

مناجزة الإلحاد

المضاف الذي لا يسبق بعضه بعضًا. وأيضًا كل شيءٍ كان في شيء آخر عرضًا فهو في شيءٍ آخر ذاتي، لأنَّ كلَّ شيءٍ كان في شيء بعرض فهو في شيء آخر بالذات. وإذ قد بينا أنَّ الوحدة في هذه جميعًا بعرض فهي لا جزء لا بالذات بل بعرض، فالوحدة فيما هي فيه بعرض مستفادة الوحدة له مما هي فيه بالذات. فإذن؛ هاهنا واحد حق اضطرارًا لا معلول الوحدة». (1) العجز عن الإدراك إدراك

هَبْ أَنَّك عجزت عن معرفة سبب الذي لا سبب له، فهل عجزك المعرفي هذا دليل على عدم وجود ذاك الذي لا تعرف سبب وجوده؟ قد تُراهن هنا على أنَّ سؤال (مَن خَلَقَ الله) جاء في معرض الإنكار لا الإقرار ولا بأس بقبول رهانك والتَّغاضي عن المغالطات والتناقضات الصارخة فى سؤالك؛ لأنَّنا هنا سنُحلل السُّؤال من زاوية مغايرة.

إنَّ العجز عن إدراك الله والإحاطة به هو إدراك، فلئن سلَّمنا - جدلًا - بأنَّنا لا نستطيع الإجابة عن سؤال من هذا القبيل، فإنَّ ذلك يُعد دليلا على عدم قدرتنا على إدراك الله تعالى والإحاطة به، وعدم قدرتنا على إدراكه هو في حقيقته شهادة على الكمال الإلهي المطلق، وفي الوقت نفسه هو شهادة على عجزنا وقصورنا، فليس إلها حقًّا ذاك الذي يُحيط البشر به علمًا وخُبرًا؛ إذ كيف يُحيط النَّاقصُ بالكامل، والمحدود بغير المحدود!!

ثمَّ منذ متى كان عدمُ العِلم علمًا بالعدم؟! لنتصوَّرَ أنَّنا وجدنا في إحدى النفانِف أو الصَّحاري المقفرة سيارةً مركونةً وقد التحفها الغبار وكادت أن تطمرها الرمال، لا نعرف عنها شيئًا، لا نعرف كيف جاءت، ومن أين جاءت، ولماذا جاءت، فهل عدم علمنا بهذه الأمور ينفي علمنا بوجود السيارة نفسها؟! هل عدم علمنا بسبب وجودها ينفي علمنا بوجودها؟! وهل حيرتنا وارتيابنا في الإجابات المُحتمَلة عن هذه الأسئلة يُلغي يقيننا بوجود السيارة؟!

1 - أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي، رسائل الكندي الفلسفية ص (70). تقول القاعدة العقلية العامة: "ما بالعَرَض لا بُدَّ أن يعود إلى ما بالذات، وما بالذات لا يعود إلى شيء".

632