مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٦٣٦

مناجزة الإلحاد

فما هي مشكلة الشر هذه التي أرصد العلماء لها الأهبة، وركبوا إليها ظهور البحث والاستقصاء وأعدوا لها كلَّ تلك العدة؟ وما الدَّلالات والغايات التي ترمي إليها؟ وقبل ذلك ما هو وجه الإشكال فيها؟ ثم كيف نقض الفلاسفة المؤمنون غزلها أنكاتا؟ كل هذه التساؤلات - وغيرها - ستأتي الإجابة عنها تباعًا بحول الله تعالى.

ما هي مشكلة الشر؟

تتلخص هذه المشكلة في القول بأنَّ وجود الشَّر في هذا العالم يتعارض على طول الخط مع وجود إله رحيم عليم، قدير فلئن كان هذا الإلهُ الرَّحيمُ موجودًا حقًّا فلا يُمكن أن يُوجَد الشَّر، ولما كان الشَّرُ موجودًا بالفعل فلا وجودَ إذن لهذا الإله من الأساس! وقد صيغت هذه المشكلة في قوالب منطقيَّةٍ تُضارع صُوَرَ الأقيسة البرهانية وتُحاول أن تتمثل خُطاها، ونُسبت صياغتها المنطقية - لا يُمكن تأكيد صحة هذه النسبة - إلى الفيلسوف الإغريقي الشهير إبيقور على

النحو الآتي:

(1) - الشَّرُّ موجود في العالم.

(2) - إذا كان الإلهُ القديرُ الرَّحِيمُ العليم موجودًا فلا مكان للشر.

(3) - لكن الشّر موجود إذن؛ الإلهُ القديرُ الرَّحيم العليم غير موجود.

إنَّ الإله العليم يجب أنْ يَعلم بكل منافذ الشَّر، فإن لم يعلم بها فهو جاهل، والجاهل لا يكون إلها!! ثمَّ إِنَّ الإله الرّحيم يجب ألا يسمح بوجود الشَّر، فإن سمح بوجوده فهو شرير، والشرير لا يكون إلها!! كما أنَّ الإله القدير يجب أن يمنع وجود مظاهر الشر، فإن لم يمنعها فهو عاجر،

والعاجز لا يكون إلها!! هذا باختصار أقصى ما ترسمه أصابع مشكلة الشر على أروقة المنطق. لا شك أن ديفيد هيوم هو أشهر فيلسوف في العصر الحديث أوقد في الأذهان فكرة الاحتجاج بمشكلة الشر كحجةٍ يمكن استغلال بريقها اللافت في تدعيم موقف المشككين بصحة براهين وجود الله. يقول هيوم في محاوراته: "هل يريد - أي الإله - أن يحول دون الشَّر

636