مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٦٣٨مناجزة الإلحاد
المبتدئ فضلا عن أنْ تُخطئه عين الباحث النَّدْس؛ إذ ما انفك الملاحدة من ترداد الاحتجاج بمشكلة الشَّر وتكراره حتَّى أصمخوا به الآذان، بل ولم يستثنوا السجالات والحوارات التي تُخصص لمناقشة بعض قضايا الإيمان التي لا علاقة لها بوجود الله مباشرة!
فلا عجب - والحال كما علمت - أن ترى أعيان الملاحدة وقُرعَانهم يقدمون مشكلة الشَّر كأبرز المبررات المنطقية لإلحادهم، أو كأبرز البراهين المنطقيَّة ضد الإيمان بوجود الله بوجه عام، بل إنَّ بعض الملاحدة ما وجدوا شيئًا يُبررون به إلحادهم إلا الاحتكام إلى سُلطة مشكلة الشر،
بحيث إنهم كانوا في طريقهم إلى الإيمان بالله لولا تعثرهم بأذيالها، لودفيغ بوخنز واغترارهم بزخرف قولها الخادع. يعترف الفيلسوف أنتوني فلو بذلك قائلا:
(2) 1
"يمثل إحساسي بمعضلة الشّر والألم أحد العوامل المبكرة وراء اندفاعي تجاه الإلحاد). وقبله اعترف أيضا برتراند راسل مُلوّحًا بقوله: "هنا في هذا العالم نجد قدرًا كبيرًا من الظلم … فإِنَّ هذا يقدم حجَّةً أخلاقيَّةً ضد الألوهية وليس لصالحها). من هنا كان لمشكلة الشر الصدى الأكبر والتأثير الأظهر في المناجزات الإيمانية الإلحاديَّة، إنَّها (صخرة الإلحاد) على حد تعبير الفيلسوف لودفيغ بوخنز (Ludwig Buchner) (3) !! إِنَّ هذه القيمة الدلالية لمشكلة الشر - وبهذه السطوة حسب التصور الإلحادي لها - كانت بمثابة المُحفّز المعرفي الأبرز في تدافع الناس إلى تبني الإلحاد واعتناقه - خصوصًا في الغرب - وهذا ما قاد بعض المفكرين إلى القول بأنَّ دلالات مشكلة الشر هي الأشد وطئًا والأعمق أثرًا من بين كل الدلالات الإلحادية الأخرى في
سياق نفي وجود الله. (4)
1 - عمرو شريف، رحلة عقل، ص 48
2 - برتراند راسل، لماذا لست مسيحيا، ص 25.
3 - طبيب وفيلسوف ألماني (1824 - 1899 م) واحد من مؤسسي الفلسفة الطبيعية الوجودية الإلحادية، اعتبره اللاهوتيون الألمان الأب الروحي للإنجيلية الإلحاديَّة. من أشهر أعماله: (القوة والمادَّة)، و (الداروينية والاشتراكية).
4 - في مفارقةٍ تُؤكد بأنَّ مشكلة الشَّر سلاح ذو حدين فإنَّ بعض من ألحدوا بإيعاز منها قد رجعوا إلى الإيمان بإيعاز منها أيضًا، فالأديبان الشهيران تولستوي وسي إس لويس ألحدا بدافع من مشكلة الشر، لكنَّهما عادا إلى الإيمان بالدافع نفسه!!
638