مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٦٤١المبحث الحادي عشر: كبريات الاعتراضات الإلحادية
مع الإجابات القاصرة والمختزلة، ونحوها - ممَّا مرَّ أعلاه - هي التي عمقت هُوَّةَ الإشكال والتنافر بين وجود الشَّر ووجود الله وأجهضت أي محاولة لتجسيرها، فاتَّسع الخرق على الراقع، وأصبحت القضيَّة تُوصف بـ (المشكلة) و (المعضلة)، وكأنه قد حيل حقا بينها وبين مفاتيح الحلول، وأوصدت كل الأبواب في وجهها حتَّى أرخى عليها القنوط سدوله!
الوجهة المنطقية لمشكلة الشر
بدايةً يجب تحديد الموقع الافتراضي لمشكلة الشر على خارطة قضيَّة الوجود الإلهي - التي هي محل النزاع - بكل دقة، وتحديد ذلك ليس بالأمر الشَّمُوس أو المعسور، فالتضاريس المنطقية هنا ليست بتلك الوعورة التي قد تبدو للأذهان من بعيد!!
إنَّ العلاقة بين وجود الشّر ووجود الله ليست علاقةً تقابليَّةً تناقضيَّة، فوجود الشَّر لا يتعارض مع حقيقة وجود الله، ولئن كان ثمة تعارض ما فإنَّ البوصلة المنطقية ستتجه مباشرةً إلى موضوع (صفات الله) دون موضوع (وجود الله)؛ ذلك لأنَّ محلَّ النزاع يدور حول رحمة الله وعلمه وقدرته، فالإله الذي يحمل هذه الصفات - خصيصى - لا يمكن له أنْ يُوجد الشَّر، أو أن يراه ولا يمنعه، أو أن يجهل وجوده.
نعم؛ إنَّ الوجهة المنطقية لمشكلة الشَّر - إن وُجدت - هي في التعارض الذي يطفو على الشطح بين بعض صفات الله ووجود الشَّر، وليس هناك صدام بين وجود الله ووجود الشر، فإذا كان الملك أو الحاكم شريرًا فلا يعني ذلك عدم وجوده، بل إثبات وجوده بوصفه شريرا، وإذا كان الإله ظالمًا - تعالى جده وجلَّ ذكره - فلا يعني ذلك عدم وجوده، بل يعني إثبات وجوده لكن بوصفه ظالمًا، وهذا يُبطل إقحام مشكلة الشَّر في قضيَّة الوجود الإلهي. ويبدو أنَّ لسان حال الملحد يقول هنا: إما أن يكون الله غير موجود، وإما أن يُظهر نفسه ويمنَعَ الشَّر على طريقتي، وليس له خيار آخر!
لقد مال بعض الفلاسفة الغربيين إلى تبنّي الاعتقاد بوجود الإله غير الكامل؛ إدراكًا منهم بأنَّ مشكلة الشر لا تتعلق الله بوجود وإنَّما بصفات كماله، بل إنَّ بعض الملاحدة - كريتشارد دوكنز - أقروا بعدم التلازم بين وجود الشَّر ووجود الله، لذلك تراهم يقترحون - كحل للإشكال الظاهر - أنْ يُقال بوجود إله غير كامل، أو بوجود إله شرير كإله التّوراة، أو بوجود إله متسام كإله
641