مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٦٤٣المبحث الحادي عشر: كبريات الاعتراضات الإلحادية
إنَّ الوجهة المنطقية لمشكلة الشَّر في الحقيقة ليست أفعال الله، بل مفعولاته، فأفعال الله
غير
رحيم
تتصف بالحكمة والتَّدبير، ولا يلزم من وجود الشر في المفعولات أن يكون الذي يبتر رجل المريض حفاظًا على سلامة أعضائه الأخرى من التلف عمل بالشر
فالطبيب
القليل - بتر الرجل - تحقيقًا للخير الكثير - إنقاذ حياة المريض - نعم؛ قد يقول قائل: إِنَّ الطَّبيب مضطر، وقدرته مقيدة ومحدودة بخلاف الإله الكامل! والجواب يكمن في وجوه الأسباب والحِكم الكثيرة للسَّماح بوجود الشَّر العَرَضي في المفعولات، وهذه الحكم لا تتحقق إلا بوجود الشر، فهي من لوازمه المنطقية التي لا تنفك عنه.
الشر
المفعولات
عندما يتحدث الإلحاد عن الشر!!
قبل أن يعترض الملحد على وجود الله بإقحام رأس مشكلة الشر في حلبة الجدل المطوقة بحبال المنطق العقلي يجب عليه أوَّلًا أنْ يُعرف مفهوم الشر، ويرسم لنا بريشته الاستعراضية تصورًا منطقيًّا محكمًا عنه - فالتّصور يسبق التصديق كما هو معلوم - ثم يضع ين أيدينا معيارًا موضوعيًّا نميز به بين ما هو شر وما هو خير، ثمَّ يُوضح لنا لماذا يكون الشَّرُّ مرفوضا ويكون الخيرُ مطلوبًا، وما هي مرجعية قراره هذا، وهل هي مرجعية مطلقة أو نسبية، وقبل ذلك - وهنا أعظم سفافيد الجدل السَّابقة حرارةً واستعارًا - عليه أنْ يُبيَّن كيف يُمكن أن يكون ثمة شر وخير في كنف النَّظرة الطبيعية المادية - غير المتسامية - وفي ظل عدم وجود الله؟! إِنَّ أَوَّلَ مأزق يقع الملحد في حبائله عند احتجاجه بمشكلة الشر هو تناقضه مع مبادئ إلحاده! فالإلحاد لا يؤمن بما وراء المادة والطبيعة، إنَّه يرى كلَّ شيءٍ يسير وفق آليات الطبيعة وقوانين المادة لا يتخطاها ولا يحيد عنها قيد أنملة، فالسَّبع عندما يلتهم فريسته يعمل وفق مقتضيات الطبيعة، ومن ثم لا يُمكن وصف فعله بأنَّه شر أو غيرُ أخلاقي، إنَّها قوانين الطبيعة الحتمية ولا شيء غير الطبيعة!
643