مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٦٤٤

مناجزة الإلحاد

لقد اعترف ريتشارد دوكنز في كتابه (River Out of Eden) بأنَّ الطبيعة لا تعرف الخير ولا الشر، وأنَّها لا تبحث عن هدف للحياة، كلُّ ما هنالك اختلافات عديمة الرحمة، وأنَّنا مجرد

(1)

آلات لنشر الحمض النووي). نعم؛ نحن مجرَّد آلات لنشر الحمض النووي بلغة ريتشارد دوكينز! ومجرد وسخ كيميائي بلغة ستيفن هوكنج إنَّ هذا لوحده كفيل بهدم الاحتجاج بمعضلة الشَّر؛ إذ لا وجود إلا للحتمية الطَّبيعية البيولوجية، ونحن نخضع لها ونسير في مساربها مرغمين، مخضودي الشوكة مبذولي المقادة فالانتخاب الطبيعي والصراع من أجل البقاء ونحوها من قوانين الطبيعة لا توصف بالخير ولا بالشّر، ولا يُمكننا تجاوز ما تفرضه علينا الطبيعةُ الأم إلا بافتراض أمور ميتافيزيقية كالخير والشر، والإلحاد حرب هوجاء على الميتافيزيقا كما لا يخفى! ينص برهان هالدان (Haldane) على أنَّ المنظور المادي لو كان صحيحًا حقًّا فإنَّنا لن نستطيع التحقق من صحته؛ لأنَّ التَّحقق منه سيلزم منه الدور المنطقي (الاستدلال الدائري)؛ إذ لا وجود إلا لسُلطة المادَّة والطَّبيعة والاستدلال على صحتها لن يكون إلا عن طريقها، فكيف يتسنّى للملحد أن يحكم بوجود الشَّر في ظل النظرة المادية أُحادية القُطب؟!! إِنَّ الإنسان حيوان بيولوجي سيكولوجي تحكمه قوانين البيولوجيا والسيكولوجيا، ولا يمكن أن توصف هذه القوانين الطبيعية التي تتحكّم بخيوط حركته بأنّها شر أو خير؛ لأنَّها قوانين قاهرة يعيش الإنسانُ وفق منظومتها ولن يتجاوزها إلا بتجاوز عالمها المادي، ولا شك أن قشرة دماغه المتطورة ليست إلا من عالمه المادي كذلك!

إنَّ احتجاج الملحد بمشكلة الشر يدلُّ على حقيقة وجود القيمة الغائية لوجود الإنسان، فتراه متسائلًا و باحثًا ومنقبًا طوال عمره عن حِكَم - أو مغازي - وجود الشر في هذا العالم، بيد أنَّ الإقرار بوجود معايير موضوعية للخير والشَّر وفق النظرة الإلحاديَّة المُعتنقة للمعايير النسبية للأخلاق يبدو أمرًا ظاهر التناقض والازدواجية، إذ كيف يكون الشَّرُّ مطلقًا إن كانت المعايير نسبية؟! وكيف يكون موضوعيًّا إنْ كان متغيرًا متلونا يسلخ جلده في كل عام مرَّةً أو مرتين، وكيف يكون ملزما إن كانت القيمة الإلزامية مفقودةً؟! حقًّا لقد أصاب المحز وأنضج القول وخمَّره مَنْ وَصَفَ المادية بأنَّها: "تكتب لنفسها شيعًا كبيرًا على مبلغ لم تستلمه بعد!

1 - Richard Dawkins، River Out of Eden، p. 131

644