مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٦٤٦مناجزة الإلحاد
وكمثال توضيحي: النُّور نقيض الظلام كما هو معلوم، فإذا كان الثور يثبت وجود مصدرٍ ما للضوء فإنَّ الظَّلام ينفي وجود ذلكم المصدر، وإن زعم زاعم بأنَّ النُّور والظَّلام معًا يُثبتان وجود مصدر للضَّوء أو ينفيان وجوده - هكذا بضربةٍ واحدةٍ وبدون تفريق - لكان زعمه هذا من بعيد المزاعم ومن عجيب الصنائع (1)
وكلفتةٍ فإنَّ ممَّا ينبغي أن تتوجه إليه حدقة الفكر هنا لتسبر غوره وتغوص في عمقه وتستخرج مخبأته هو المنطق الإلحادي في الاحتجاج بمشكلة الشَّر؛ لأنَّه يؤدي - لزاما - إلى الاعتراف بافتقار العالم وعَوَزه وقصوره البالغ وحاجته إلى من يقف على تسيير شؤونه، ومن ثم افتقاره وحاجته إلى الإله الذي أوجده لا من شيء، وامتغطه من غمد العدم، متفضلًا عليه بسابغة الوجود، فالعاجز في حال وجوده أولى بالعجز في حال عدمه!!
مغالطة منطقية تُطل برأسها
عزم رجلٌ على تفكيك "مُحرك سيارته؛ بحثًا عن العشرين حصانًا التي هي قوة المحرك!! لقد برع بنو الإنسان في خلق تصورات مجرَّدةٍ ومفاهيم ذهنيَّةٍ تُساعدهم على حصر الأشياء والأحداث، وتصنيفها واختزالها اختزالًا يُتيح لهم من الاقتصاد الذهني ما يُمكنُهم من الإحاطة بأشياء العالم وتناولها، غير أنَّ المأساة تكمن في أنَّ هذه العملية قد تجري - أيضًا - في الاتجاه العكسي؛ أي معاملة التصور المجرد كما لو كان شيئًا حقيقيا، حين يحدث ذلك نكون بإزاء
مغالطة منطقيَّةٍ عتيدةٍ مُبيَّتةٍ في صميم العقل البشري ذاته وفي طريقة أدائه لوظيفته (3). إنَّ الشَّر في حقيقته تصور ذهني نفسي وليس كيانًا مستقلا أو ذاتا لها مصداق خارجي متشخّص، وهذا يقتضي استحالة أن يكون الشَّرُّ شيئًا، ومن هنا يتضح مبلغ المغالطة المنطقية في معاملة الشَّر وهو المفهوم الذهني النفسي المجرَّد على أساس أنه واقع مادي متحيز، وهو ما يُعرف بمغالطة التشييء (Reification) وبمعنى آخر: إنَّ الشَّرَّ المحضَ - الشَّرِ الذَّاتي - لا وجود له ولا يُمكن تصوره؛ لأنَّ الشَّر الذي يمكن تصور وجوده هو الشَّر العرضي فقط، وهو مجرد وصفٍ طارئ على الخير الذاتي.
- 1
- تنبيه: هذا البيان وارد على المنهج الإلحادي الذي يتعامل مع الشَّر باعتباره أمرًا وجوديًّا، أما المنهج الآخر الذي يتعامل مع الشَّر باعتباره أمرًا عدميًّا فإنَّه يجعل نوع التقابل المتحقق بين الخير والشَّر هو تقابل الملكة لا تقابل التناقض والتّضاد. 2 - عادل مصطفى، المغالطات المنطقية، ص (173 - 174).
??