مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٦٤٧

المبحث الحادي عشر: كبريات الاعتراضات الإلحادية

إنَّ الصفات التي نطلقها تكون على قسمين: "منها ما يكون له واقعية كموصوفه، مثل كون الإنسان موجودًا، أو أنَّ كلَّ متر يساوي مئة سنتيمتر. فاتصاف الإنسان بالوجود، والمتر بالعدد المذكور، أمران واقعيَّان ثابتان للموجود، توجه الذهنُ إليه أم لا … ومنه ما لا يكون له واقعيَّةٌ إلا أنَّ الإنسان ينتقل إلى ذلك الوصف، أو بعبارة صحيحة: ينتزعه الذهن بالمقايسة، كالكبر والصغر، فإنَّ الكبر ليس شيئًا ذا واقعيَّة للموصوف، وإنَّما بالقياس إلى ما هو أصغر منه … إذا عرفت انقسام الأوصاف إلى القسمين فعليك تحليل مفهوم الشَّر على ضوء هذا البيان فنقول: إنَّ كون العقرب موجودًا وذا سُمّ من الأمور الحقيقية، وأما كونه شرا فليس جزءًا من وجوده وإِنَّما يتّصف به سُمَّ العقرب إذا قيس إلى الإنسان وتضرُّره به أو فقدانه لحياته بسببه، وإلا فإنَّه يُعدُّ كمالا للعقرب ومُوجبًا لبقائه، فإذا كان كذلك سهل عليك حل عقدة الشرور من جوانبها المختلفة … وإلى هذا تؤول كلماتُ الفلاسفة القُدامى إذ قالوا:

- الشر أمر عدمي، وليس أمرًا موجودًا محتاجًا إلى عِلَّة.

- الشَّر ليس مجعولا بالذات بل مجعولا بالعرض.

- إذا تصفحت

جميع الأشياء الموجودة في هذا العالم المسماة عند الجمهور (شرورًا) لم

تجدها في أنفسها شرورًا، بل هي شرورُ بالعَرَض خيرات بالذات،

لكن ما معنى قولنا بأن الشر عدمي؟!

(1)

قد ينفرط عن بعضنا عقد فهم هذه الحقيقة، فيظنُّ - متسرّعًا - بأنَّ الإقرار بعدميَّة الشَّر= الإقرار بأنَّ الشَّر معدوم لا واقعيَّة له. وهذا الظنُّ غير صحيح؛ لأنَّ هناك فارقًا بين عدميَّة الشَّر ومعدوميَّته، فمعدوميته تعني عدم وجود واقعيَّةٍ له، أما عدميَّته فتعني وجود واقعية له لكنَّها واقعيَّةٌ عرضيَّة عادِمةٌ للمَلَكَة - خصوص العدم لا مطلق العدم - بمعنى: أنَّ الله لم يخلق شيئًا جديدًا يُضاف إلى العالم يُقال له الشَّر، وعدم الخلق عدم، والعدم لا شيء. وكمثال توضيحي نقول: إنَّ الموت أمر عدمي؛ لأنَّه عبارة عن عدم الحياة (نقص في الأنفس بلغة القرآن)؛ أي عبارة عن عدم الحياة بعد وجودها. فالموت ليس خلقًا جديدًا له مصداق متشخص، وإنَّما هو

1 - جعفر السبحاني، الإلهيات، (279/ 1 - 280).

647