مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٦٥المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
القول بالتنوية - أي بالنور والظلمة - فيختلف عن القول بالدهر، والظاهر أنَّ الخلط بين الدهرية والتنوية والإلحاد وقع في عهد الإسلام؛ بسبب المعنى المفهوم للزندقة في الفارسية والمعنى الذي ظهر لاحقًا في الإسلام. وقد ذُكرت أسماء بعض زنادقة قريش، كأبي سفيان بن حرب، وعقبة بن أبي معيط وأبي بن خلف الجمحي، والنضر بن الحارث بن كلدة، والعاص بن وائل السهمي، والوليد بن المغيرة. ومن له أدنى دراية بأحوال هؤلاء المذكورين يعلم بأنهم كانوا من المولعين بالآلهة والمؤمنين بها بل ومن أشد المستمسكين بها).
61
وخلاصة الأمر هو أنَّ الزندقة - إن ثبتت في حق بعض قريش - لم تكن تعني الإلحاد وإنكار وجود الله؛ فإنَّ أولئك الذين ذُكرت أسماؤهم كانوا من المؤمنين بوجود الله، وإلا لما عبدوا الأصنام التي كانت تقربهم إلى الله زلفى كما يظنُّون وأمَّا الدهريَّة فهناك ثلاثة آراء فيها: الأول: أنَّها تُنكر وجود الله.
الثَّاني: أنَّ الدهرية العربية لا تُنكر وجود الله بخلاف الدهرية غير العربية.
الثالث: أنَّها تُنكر البعث والحساب لكنَّها تُؤمن بوجود الله.
استدل القائلونَ بالرَّأي الأوَّلِ بالآية الكريمةِ: وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (الجاثية: 24). فالقرآن الكريم - كما يرون - يُطلق على المنكرين لوجود الله اسم (الدَّهريَّة). والدهرية هي مذهب كل من اعتقد بقدم الزمان والمادة والكون، وأنكر الألوهيَّة والخَلق والعناية والبعث والحساب، كما يرون أنَّ الموجب للحياة والموت هي طبائع الأشياء وحركاتُ الأفلاك، وهؤلاء الدهرية هم أوشج آصرة كفرية بالملاحدة المعاصرين، ويُخبرنا القرآن الكريم عما سيدعيه بعضُ الدهريين - بعد أربعة عشر قرنًا - في خلق الكون والإنسان من عدم وبلا خالق، فيقول الحق تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) (الطور: (35). أي من غير مادَّةٍ ومن غير سبب أوَّل). وأما القائلون بالرأي الثاني فراهنوا على أنَّ الثاني فراهنوا على أنَّ وجود الله حقيقة لا تحتاج إلى برهان، فهي فطرةً
1 - يُنظر: جواد علي المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، (3/ 15).
2 - يُنظر: عمرو شريف، وهم الإلحاد، ص (17 - 18).
70