مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٦٥٠مناجزة الإلحاد
يقول الفيلسوفُ الشَّهير ألفن بلانتنجا (Plantinga)) : " حقيقة أنَّ مخلوقات حرة تزلُّ أحيانًا لا تُحسب ضدَّ وجود قدرة الله الكلية ولا ضد خيريَّته؛ لأنَّه ليس بالإمكان أنْ يُمنع وقوع الشَّر الأخلاقي إلا بمنع إمكان الخير الأخلاقي؛ أي أنَّنا أمام استحالة عقلية محضة، مُلخّصُها أنَّه عقلا الجمع بين وجود إرادة حرَّةٍ تفعل ضمن حريتها - كما هي في المفهوم الدنيوي البشري - وعجر هذه الإرادة عن أن تفعل غير الشَّر، كما أنَّ منع هذا الشَّر هذا الشر يعني إلغاء حريَّة الإنسان، وتحوله إلى كائن موجهِ غير مريد، وهو ما يؤول إلى منع تسمية فعله الميكانيكي الصواب (خيرًا)؛ لأنَّه ليس فعلا اختياريا» (2).
يمتنع
قد يسألنا هنا أحد الملاحدة قائلًا: أليس من الممكن أن يكون عالمنا بلا شرّ مع وجود
حرية الاختيار؟!
والجواب: لا؛ لأنَّ تصور ذلك مستحيل، فحريَّة الاختيار تكون بين شيئين وأكثر، ولا تكون في شيءٍ واحد؛ لأنَّ وجود الخير وحده يُلغي حريَّة الاختيار ويحول المسألة إلى الجبر والحتمية، فالإنسان مجبور على فعل الخير وحده وليس في استطاعته اختيار فعل الشر!! فهل يكون المجبور على خيار الخير فقط حرًا ومختارًا؟! هل يكون المجبور على فعل الصواب فقط
دون الخطأ حرًا ومختارًا؟! هل يُمكن أن نفهم معنى حريَّة الاختيار بل ومعنى الخير نفسه دون الشَّر؟! طبعا لا؛ لأنَّ حريَّةَ الاختيار ووجود الخير ستصبح أمورًا فارغةً لا معنى لها، فأنت ساعَتَئِذٍ ستكون حرا بلا حريَّة!!
وجود
إنَّ عدم وجود الشَّر يلزم منه - لزوما منطقيا - أن يكون وجودنا في هذه الحياة مجرد عبث لا معنى له، فوجود الشر والخير هو الذي يُضفي على الحياة طابع المعنى والحكمة، ولا شك من أنَّ الكمال الإلهي المطلق يقتضي وجود الحكمة والغائية وإن جهلناها، وبهذا يتضح أنَّ إصرار الملحد على تناقض وجود الشَّر مع وجود الله يلزم منه وصف الإله بالعبثية وعدم الحكمة، وكأنَّ الملحد يُشْكِل إشكالا متناقضا منطقيا قائلًا: على الإله أن يكون حكيمًا وعابثًا في الوقت ذاته!!
1 - فيلسوف أمريكي متخصص في اللاهوت الدفاعي، من مواليد عام (1932 م)، وهو أستاذ الفلسفة في جامعة (نوتردام)، من أبرز كتبه: (الله والعقول الأخرى)، و (طبيعة الضَّرورة)، و (الله والحريَّة والشّر). 2 - سامي عامري، مشكلة الشر ووجود ا الله. ص 120
650