مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٦٥١

المبحث الحادي عشر: كبريات الاعتراضات الإلحادية

وإذا علمنا بأنَّ حريَّة الاختيار من اللوازم المنطقيَّة للوجود العرضي للشَّر؛ بحيث لا تُوجَد حريَّة اختيار من غير وجود الشَّر العَرَضى، وجب أن نعلم كذلك بأنَّ وجود الشَّر من اللوازم المنطقية لوجود المادة المتحركة المستعدة للخروج من القوَّة إلى الفعل، فكل عينة منها تسعى نحو الوصول إلى نقطة معينة قد تتعارض مع عيّنةٍ أخرى، فيتطاير شرر الشَّر منها بالعرض. وعليه؛ فلا فكاك - منطقيا - بين وجود هذه المادة وما يترتب عليها من شرورٍ عَرَضيَّة؛ لأنَّ التَّلازم بينهما يضرب بأطنابه؛ بحيث يُصبح التفريق بينهما من قبيل التفريق بين المثلث وأضلاعه الثلاثة، وهو معلوم الاستحالة!

لقد سبقت البرهنة على أنَّ واجب الوجود واجب الوجود من جميع الجهات، فهو خير محض لا شرَّ فيه؛ لأنَّ الشَّر جهةُ نقص وعدم، وبما أنَّ واجب الوجود واجب من جميع الجهات؛ فهذا يقتضي انتفاء جميع صفات النقص عنه، والتي من بينها: صفة الشّر. ولازم هذه الحقيقة هو أن ما سوى واجب الوجود الممكنات والواجبات بالغير) ليست بواجبة الوجود من جميع الجهات، ويلزم من ذلك ضرورة وجود النَّقص فيها، وهذا النقص الملازم لها هو النافذة التي تلج منها الشرور إلى هذا العالم.

مشكلة الشر والتوسل بالمجهول

يُقدّم المؤمنون قائمة طويلةً وعريضةً من الحِكَم التي يُمكن استخلاصها من وجود الشر، والتفكر في هذه الحِكَم يُحيل إلى الاعتقاد بأن وجود الشَّر العرضي أمر ضروري تنعدم بعدمه الكثير من الأهداف والغايات والمقاصد التي قد يصل بعضُها إلى حكم الضرورة والأهمية القصوى في تسيير شؤون حياة البشر، ويُمكن الإلماعُ إلى بعض هذه الحكم: (1) - إِنَّ وجود الشَّر يُعطي معنى وقيمةً لوجود الخير، فبدون الشَّر لا يُمكننا التوصل إلى الخير؛ لأنَّ الأشياء لا تتمايز إلا بأضدادها، وقد أجاد مَنْ قال: "وبضدها تتميز الأشياءُ“. (2) - إِنَّ وجود الشَّر هو المُولّد الحركي للحياة؛ إذ كيف ستغدو الحياة من غير ألم ولا لذة؟! كيف نشعر باللذة إذا لم نشعر بالألم؟! بل كيف سنتعرف عليهما قبل ذلك؟!

651