مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٦٥٩المبحث الثاني عشر: وهم البراهين وبراهين الوهم
(1) - كمال الله وكمال الكون
- إذا كان الله كاملا فيجب أن تكون مخلوقاته كاملة.
- الكون غير كامل.
- إذن؛ يستحيل أن يكون الله هو خالق الكون.
تنص المقدمة الأولى على وجوب أن يكون كل شيءٍ خلقه الله تعالى كاملًا، فهل هذه المقدمة يقينية؟ وقبل ذلك هل هي صحيحة؟ والجواب عن السؤالين: لا. فأما من جهة كونها غير يقينيَّةٍ فهذا ظاهر لا يخفى على أحد، فإنَّه لا يُوجد في العقل ما يُوجِبُ التَّلازم بين كمال الخالق وكمال ما يخلقه، ونحن نرى بأنَّ الصَّانعَ - دائما وأبدًا - أفضل من المصنوع وأكمل منه، فالمصنوع مفتقِرُ إلى مَن يصنعه ولا يُمكن أن يكون إلا كذلك.
وأمَّا من جهة كونها غير صحيحةٍ فإنَّ من لوازم كمال الله: الإرادة الكلية والمشيئة المطلقة. فهو يخلق ما يشاء ويختار، وليس من كمال الله أنْ تُقيَّدَ إرادته في مخلوقاته؛ بحيث يعجز عن خلق ما يشاء ويختار، بل إنَّ هذا التَّقييد يلزم منه أنْ يكون المعلول - وهو الكون هنا - سابقًا وهي الإله - ومُؤشّرًا عليها، بدليل أنَّه أوجب عليها الكمال لا غير!! وهذا ظاهرُ البطلان، فالمعلول لا يتقدم على عِلَّته وإلا لزم منه التناقض!
للعلة.
ثمَّ إِنَّ الكمال في المخلوقات يتناسب مع طبيعة المخلوق نفسه، ففيما يخص الكونَ فَإِنَّ هناك جملةً من الفلاسفة والمحققين ممَّن قالوا بأنَّ الكون مخلوق على أفضل كيفية ممكنة - لا بأفراده - وكان من رأيهم في الكون أنَّه لا يُمكن أن يكون أفضل مما كان! واشتهر عن الإمام أبي حامد الغزالي قوله: "ليس في الإمكان أبدع مما كان".
بمجموعه
بل إنَّنا وجدنا عالم الفيزياء الكبير بول ديفيز يصرح قائلا: "فإذا ما تركنا القضايا الأخلاقية جانبًا؛ ما يزال هناك معنى فيزيائي في عالمنا هو الأفضل من بين عوالم ممكنة. إذن؛ تهافتُ المقدمة الأولى للبرهان المتوهم يُربك حساباته، ويُشوّه وجوه آماله، وهذا يكفي في الإعلان عن
نضوب ضحضاح رجائه وتعثر الغاية التي تقف من خلفه، ومن ثُمَّ سقوط نتيجته.
1 - في القرن التاسع عشر الميلادي ساد اعتقاد الاهوتيين النَّصارى بأنَّ الله الكامل لا يُمكن أن يخلق إلا كونا كاملا. 2 - القاعدة العقليَّة الفلسفية تقول: (العِلَّةُ أكمل من المعلول أبدًا).
3 - بول ديفيز، التدبير الإلهي، ص 192.
659