مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٦٦٠

مناجزة الإلحاد

ولا يخفى كذلك أنَّ معرفة الله من خلال مرآة الكون ليست كمعرفة الله من خلال نفسه؛ ذلك لأنَّ الناظر في مرآة الكون للوصول إلى معرفة الله قد تستوقفه بعضُ صور النقص فيها - حسب عُمق وجهة نظره - ومن ثم تنتقل تلك الصُّوَر الناقصة لتؤثر في حقيقة نظرته إلى الله! أمَّا معرفة الله من خلال نفسه فإنَّ الطَّريق إليها لا تكتنفها أي صور من صور النقص تلك، بل إنَّ من يسلك هذه الطريق لا يجد أمامه شيئًا غير الله.

(2) - كمال الله وخلق الكون

الله خالق الكون.

- خلق الكون لا يكون إلا لحاجة.

- إذن؛ الله محتاج، والمحتاج لا يكون كاملًا.

تنص المقدمةُ الثَّانية على أنَّ الخلق لا يكون إلا لحاجة، والحاجة نقص يتنافى مع الكمال. وهذا صحيح فيما إذا كان خلق الله للكون ناشئًا عن الحاجة بالفعل، فهل ما تفترضه هذه المقدمة يقيني أو صحيح؟! الجواب: لا. فأمَّا كونها غير يقينية فلأنَّ خلق الكون لا يلزم منه منطقيا - الحاجة، فقد يكون إظهارًا وتجلّيًا لصفات الخالقيَّة والفاعلية والحكمة والإرادة ونحوها، ولا يلزم منه الحاجة والافتقار، بل إنَّ هذا هو المتعيّن هنا.

إنَّ خلق الكون صورة من صور جود الله وقيوميته وإحسانه وامتداد فيوضه وعدم انقطاعها، وهذه الصفات بطبيعتها المنطقية لا تنفك عن مظاهِرِها، فلو قال قائل: لماذا يجب أن يُظهر الله هذه الصفات عن طريق خلق الكون؟ قيل له: إنَّ مجرَّد خلق الكون بذاته يُوصلنا منطقيا إلى استشفاف هذه الصفات؛ لأنَّها لا تنفكُ عن خلق الكون؛ أي أنَّه لا يُمكن أن نتصور خلق الله للكون دون أن تظهر إرادته وقيوميته وجوده وإحسانه وامتداد فيوضه مباشرةً مع فعل الخلق نفسه. فكما أنَّه لا يستقيم القولُ بأنَّ الإله لا يمكن أن يكون إلها؛ لأنَّه لو كان كذلك لكان محتاجًا إلى الألوهية، والمحتاج لا يكون كاملا، فإنَّه لا يستقيم القول كذلك بأنَّ ظهور قدرة الله وحكمته وإرادته وإحسانه عبر خلق الكون هو علامة على الحاجة إلى الخلق، والمحتاج لا يكون كاملًا؛ لأنَّ كل هذه الأمور هي تجليات لصفات الله تعالى، بحيث لو انتفت عنه للزم من انتفائها الحاجةُ وعدم الكمال

77.