مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٦٦١

المبحث الثاني عشر: وهم البراهين وبراهين الوهم

وأما من جهة كونها غير صحيحة - أي المقدمة الثَّانية - فلأنها تتوسد مغالطة (قياس التَّمثيل) فتصرفات الله لا تُقاس بتصرفات البشر، فإذا كان البشر لا يتصرفون إلا بمقتضى الحاجة والرغبة فلا يلزم الله ما يلزمهم، بل إنَّ البشر قد يتصرفون أحيانًا بمقتضى الإحسان والإكرام دون النظر إلى الحاجة أو الفائدة والعائدة، كما في قيم التسامح والإيثار والتضحية! ثم كيف يُعقل أن يكون خالق هذا الكون العظيم محتاجًا؟ وقبل ذلك من أخبر الملحد بأن خلق الله للكون كان لحاجة وليس لحكمة ما؟!

يُطرز المفكر الإسلامي الكبير مرتضى المطهري هذه المسألة بخلاصته الفلسفية العميقة قائلا: "أما الله سبحانه فهو غني على الإطلاق، لا يتعب نفسه في البحث عن غاية، ولا يُوجد كمال يُمكن فرضه عليه إلا وهو فيه موجود، فكيف يُمكن - والحال هذه - أن يبحث عنه؟ إذن؛ كونه حكيمًا لا بُدَّ أن يعني أنَّه يُوصل الأشياء إلى كمالاتها اللائقة بها، والتي يمكن أن تظفر بها، فعمله هو الإيجاد الذي يعني الإيصال إلى كمال الوجود، أو التدبير والتكميل وسوق الموجودات نحو كمالاتها الثانوية الذي هو نوع آخر من إيصال الأشياء إلى كمالاتها. وبعض الشبهات والإشكالات آتية من قياس حكمة الله على حكمة الإنسان، وهو قياس خاطئ. فغالبًا ما يتساءلون: لماذا خلق الله الشَّيء الكذائي؟ فإنَّ المتسائل يحمل في ذهنه هذه الفكرة وهي: أنَّ الله إلى أي شيءٍ كان يهدف من وراء هذا العمل؟ وهو غافل عن أنَّنا لو نسبنا الهدف إلى الله كما ننسبه إلى الإنسان فمعنى هذا أنَّ الله قد أصبح مثل الإنسان يُوجد في أعماله النقص وهو يحاول سدَّ هذا النقص ليمنح نفسه التكامل. هذه الشبهات ما كانت لتستحكم لو عرفنا منذ البداية أنَّ حكمة الله معناها أنَّ لفعله تعالى غاية وليس لذاته غاية. وحكمة كل مخلوق إنَّما هي الغاية الخبيئة في أعماق وطبيعة ذلك المخلوق، أما حكمة الله فهي تعني دفع المخلوقات نحو غايتها الطبيعية .......

هنا نحب أن نضع هذه القاعدة الجليلة ليضعها المرءُ - أيا كان مشربه - قلادةً على عنقه: "غاية خلق الكون - التي يُسميها الملحد هنا بـ (الحاجة) - تعودُ لفعل الله لا لذاته“. وعليه؛ فإنَّ إقرار المقدمة الأولى بأنَّ الله هو الخالق كفيل بهدم المقدمة الثانية؛ فالإقرارُ فيها كان يقينيا، والإنكار في الثانية كان ظنيًّا، والظنُّ لا يُسقط اليقين.

1 - مرتضى المطهري، العدل الإلهي، ص 213.

661