مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٦٦٢مناجزة الإلحاد
(3) - الله والزمان والمكان
- الله منزّه عن الزمان والمكان.
- لكن الله يتصرَّفُ في الزمان والمكان.
- إذن؛ يستحيل وجود الله المنزه عن الزمان والمكان.
هل هناك تلازم بين أزليَّة الله وتصرفه في مخلوقاته؟! إِنَّ وجود هذا التلازم هو الذي تفترضه جُزافاً نتيجةُ المقدمتين السابقتين، وهذا الافتراض ما هو إلا سراب خادع ووهم ظاهر لا محل له من اليقين المطلوب في المقدمات البرهانيَّة، وكما يُقال: "إذا كذب السفير بطل التدبير“؛ ذلك لأنَّ التَّصرُّفَ في المخلوقات وفق السُّنن الإلهيَّة الأزليَّة لا يعني ضرورة عدم تنزه الله عن الزمان والمكان والحوادث، ومنشأ هذا الزَّعم - مرَّةً أخرى - هو قياس التمثيل المرفوض، أو (أنسنة الله بلغة الفيلسوف الألماني إيمانويل كانت!
إِنَّ التَّصرُّف في الحقيقة يظهر في المخلوقات لا الخالق في المفعولات لا الفاعل؛ لأنَّها محل ذلك ومنزله، فالأمر هنا لا يعود إلى الصفات الذاتية للإله، بل إلى الصفات الفعلية، والتي تندرج جميعها تحت صفة (القيوميَّة). ثمَّ إِنَّ افتراض النقيض - وهو عدم التصرُّف في المخلوقات - يلزم منه النقص وانتفاء الكمال، متمثلا في انعدام القيومية والربوبية والتدبير، وكلُّ ما لزم منه النقص فهو منتف عن الله تعالى.
إنَّ المطالع المبتدئ - فضلًا عن المطلع الخبير - لعلوم المنطق والفلسفة والأصول يُدرك مباشرةً أنَّ هناك فارقًا كبيرًا بين مقام الثَّبوت ومقام الإثبات، فتصرُّف الإله في مخلوقاته - والتي من بينها الزمان والمكان، وهذا ما تجاوزته هنا عين البرهان الموهوم - هو تصرُّف أزلي في مقام الثبوت لا يلزم منه عدم التَّنزه عن الزَّمان والمكان، لكنَّنا لا نستطيع الوصول إلى معرفة وجود مثل هذا التَّصرُّف - بَلْه إثبات وجوده - إلا في مقام الإثبات؛ لأنَّ مقام الإثبات هو الذي يختص التي تظهر لنا. فليس التَّصرُّف الإلهي من قبيل التَّغير في أحوال المتصرف؛ لأنَّ التَّغير
بالأدلة
1 - هنا تظهر مرَّةً أخرى إشكالية عدم التفريق بين مفهومي: ي: (التَّعقُل) و (التَّصور). ثمَّ إِنَّ الزَّمان والمكان أمران نسبيان حسب ما تقرره نسبية أينشتاين، ويبدو أنَّ هذا البرهان الإلحادي ما زال يعيش في كهوف النظرة النيوتنية القديمة للزمان والمكان ولم
يتجاوزها!
2 - مقام الثبوت هو مقام الحقيقة الخارجية (الواقع كما هو) أو ما يُسمَّى فلسفيا بـ (نفس الأمر)، أما مقام الإثبات فهو مقام الأدلة التي تظهر لنا، والتي من خلالها نستطيع الوصول إلى معرفة مقام الثبوت في أي قضيَّةٍ من القضايا.
662