مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٦٧

المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته

دَهر يرى الغَدرَ مِن إحدى طبائعه فكيف يهنا به حُرِّ يُصاحِبُهُ

فكانوا ينسبون النوازل إلى الدهر، وما من هازمةٍ ولا داهية نزلت بساحتهم إلا وللدهر اليد الطُّولى فيها، فيقولون: أصابتهم قوارعُ الدَّهر وصروفه، وأبادهم الدهر، وفتك بهم، وغدر بهم … إلخ). ففي هذه الجمل وأمثالها توكيد معنى حاكميَّةِ الدَّهر وبقائه ونفوذ سلطانه على الجميع، فهو إذن؛ المهيمن على العالم، وقد كان هذا الاعتقاد راسحًا في نفوس كثير من الجاهليين، بل وفي نفوس كثير ممَّن أدرك الإسلام فأسلم لاحقا. وقد أجاد الأستاذ محمد قطب في الجواب هذه المسألة، فوضع المقصل على المفصل، وأجرى الأمور على أذلالها حينما قال: "فأغلب الظَّن عندي أنَّ هؤلاء القوم المشار إليهم في الآية هم الذين يُؤمنون بوجود الله، وبأنَّه هو الخالق المدبر، ثمَّ يُنكرون قدرته على بعث الموتى بعد أن يصيروا ترابًا وعظامًا: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (الزخرف: 9). وقوله سبحانه وتعالى:

عن

وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (العنكبوت: 61). وقوله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (لقمان: (25) وغيرها من الآيات، ومع إقرارهم بذلك كله فقد كانوا ينكرون البعث إنكارًا شديدًا ويعجبون ممن يقول به: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُرّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (سبأ: 7). ولذلك كان الجدل معهم حول معنى القدرة الإلهية على إعادة الخلق بعد إفنائه (7). وقد عرف أنستاس الكرملي الدهريَّة العرب بـ (المنكرين للمعاد) دون التطرق إلى إنكار وقال الشهرستاني عنهم بأنهم زعموا أنَّ العالم في الأزل كان أجزاء مبثوثةً تتحرك على غير استقامة فاصطحت اتفافًا، فحصل العالم بشكله الذي نراه عليه، ثم قال: "ولستُ أرى صاحب هذه المقالة ممَّن يُنكر وجود الصَّانع، بل هو يعترف بالصَّانع، لكنَّه يُحيل سبب وجود

6

6

6 - جاء في كتاب المفصل في تاريخ العرب لعلي جواد (3 (16) أنَّ الحارث بن قيس ابن الغيطلة نُسب إلى الدهرية، وقد نظرنا في ترجمته ولم نعثر على شيءٍ بخصوص دهريته إن كانت إنكارًا لوجود الله أم للبعث والحساب فقط كعادة أهل زمانه، بل وجدنا أنَّه كان يعبد الأصنام! وقد رُوي أنَّ آية {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلا الفرقان:43 قد نزلت فيه؛ لأنه كان يعبد حجرًا، فإذا رأى حجرًا أحسن منه تركه وأخذ الأحسن! لكنَّه أسلم لاحقا. 7 - محمد قطب مذاهب فكرية معاصرة، ص 605.

- يُنظر: أنستاس الكرملي، أديان العرب وخرافاتهم، ص (71). ولمعرفة أسباب وجود الفكر الدهري - عند العرب يُنظر: محمد سهيل طقوش، تاريخ العرب قبل الإسلام، ص 261.

TV