مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٦٨مناجزة الإلحاد
(1)
العالم على البحث والاتفاق احترازاً عن التَّعليل؛ ولهذا لم يرد التَّكليف بمعرفة الصانع “). ويرى ابن كثير أنّ الآية السَّابقة تتحدث عما يقوله مشركو العرب المنكرون للمعاد، ويقوله الفلاسفة الإلهيون منهم، وهم يُنكرون البداءة والرَّجعة، ويقوله الفلاسفة الدَّهرية الدورية المنكرون للصانع (2).
(2)
إنَّ إثبات القول بوجود من أنكر وجود الله من العرب قبل الإسلام أمر لا يتوسل إليه إلا من خلال أشعارهم وخطبهم وما أثر عنهم فقط، وإلا فإنَّ الآية التي هي محلُّ الشَّاهد جاءَت
هنا ومن
في سياق المنكرين للبعث والحساب بدليل الآية التي تليها، فقد جاءت كرة على دعواهم في السياق ذاتِه: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (الجاثية: 26). فالآية الكريمة نفسها لم تُسمّهم بـ (الدهريين)؛ أي إِنَّ التسمية حادثة! أصبح تأثير التسمية كحبل مشنقة يجرنا إلى منصته في فهمنا للآية ويُحاكمنا الجرار بمنطوقه، وكان الأجدر بنا أن ننصرفَ إلى سياق الآيات؛ ليتبيَّن لنا بجلاء أنَّ الحديث كان عن منكري البعث والحساب، ومن المعلوم بأنَّ إنكار البعث والحساب شيء وإنكار الخالق شيء آخر، فلماذا نُطين عينَ الشَّمس!
فرعون؛ بقعة ضوء على دَيْجُور اعتقاده
ما نود الإشارة إليه ابتداءً أنَّ قضيَّةَ جُغرافيَّةِ مصر فرعون وقومه الذين تأتفوه واحتوشوه هي مثار أخذ ورة بين الباحثين، فهناك من يرى بأنَّ جغرافيتها داخلة في نطاق مصر الحالية، وهناك من يرى بأنها منصهرة في نطاقات شبه الجزيرة العربية (3)، ولا شك أنَّ لكلّ قول من هذه الأقوال المختلفة إسقاطات مختلفة تتناسب مع طبيعة كلّ واحدٍ منها؛ ومنه سترسم ريشةُ كلّ قول صورةً مختلفة لطبيعة التفكير الديني السائد في مجتمع فرعون وقومه، فإن نحن وضعنا فرعون في خانة المجتمع المصري القبطي كما هو حال النظرة السائدة؛ فإنَّ ريشة هذا القول سترسم لنا مشهدًا دينيا من سماته: تعدد الآلهة، والاعتقاد بالبعث والحساب بعد الموت (4)،
1 - الشهرستاني، نهاية الإقدام في علم الكلام، ص (118 - 119). 2 - يُنظر: ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، (296/ 7).
- يُراجع: (جمعية التجديد البحرينية، اختطاف جغرافيا الأنبياء).
4 - يُنظر: لطفي وحيد، أشهر الديانات في التاريخ، ص (31 - 36). وللمزيد نُحيل إلى الدراسات التالية: (أحمد البربري، السماء في الفكر المصري القديم. و ياروسلاف تشرني الديانة المصرية القديمة). و علي فهمي خشيم، آلهة مصر العربية).
68