مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٦٧٩

المبحث الثالث عشر: كشاف التناقضات الإلحادية

ينفي وجود الحاجة إلى الأديان في الوقت الذي لا يستطيع فيه - ولن يستطيع - سد الحاجة إلى الإجابة عن الأسئلة الوجودية إلا وفق ما تطرحه الأديان لتصبح المعادلة الإلحادية: الإلحاد= عدم الحاجة إلى الأديان. عدم الأديان عدم القدرة على الإجابة عن الأسئلة الوجودية المُلحة.

الحاجة إلى الدين

امتلاك حق الإجابة عن الأسئلة الوجودية

الدين

العجز عن الإجابة عن الأسئلة الوجودية

الإلحاد

موقفهم من العقل

يرى الملاحدة بأنَّ الدماغ - بشبكاته العصبية وتفاعلاتها - هو المسؤول الأوحد عن إنتاج الأفكار والمبادئ العقلية، حتَّى قال الكاتب الفرنسي جوزيه كابانيس (José Cabanis) ذات يوم: "يُفرز الدماغ الفكر كما تُفرز الكبدُ الصَّفراء". ونسي - أو تناسى - أنَّ الصفراء شيء مادي، بينما الفكر شيء مجرد ومعنوي!

إنَّ من لا يعتقد بأنَّ العقل والفكر من عالَم مختلف يسمو على عالم المادة - وإن كان لهما علاقة ببعض - يقع في تناقض شائن؛ لأنَّ قيمة الدماغ ساعتها لن تكون قيمةً موضوعيَّةً ومطلقةً ويقينية، فالدماغ في نهاية المطاف - وفق هذا التَّصور - مجرَّد عضو تطوَّرَ بالصُّدفة عن طريق الانتخاب الطبيعي، وهو قابل للتحول والتَّغير، وفي مرحلة لاحقة من التَّقدم - إن حدثت - قد تتغير كل المفاهيم والمبادئ التي اعتمد عليها.

ماذا يعني هذا التصور الإلحادي؟! يعني باختصار: إذا كان هذا هو حال الفكر والعقل وفق المنظور المادي فإنَّ يقينيَّات العقل وعمليات الفكر البشري بأسرها ليست ذات قيمة حقيقية وموضوعية تتسامى عن عالم المادة، ومن ثمَّ يقع الملاحدة في التناقض المريع! فكيف يثقون بما تطرحه عقولهم من دعاوى صحة الإلحاد وبطلان الأديان؟! بل كيف يثقون بما يُقرره العقل وهو مجرد مادةٍ أوجدها الانتخاب الطبيعي بالصُّدفة؟! إِنَّ هذا هو ما حمل تشارلز داروين على أن يُصرح ذات مرة قائلًا: "ينتابني - مرارًا - شكٍّ مريع فيما إذا كانت قناعاتُ عقل الإنسان - المتطور من كائنات أدنى منه تتمتع بأي قيمة أو تستأهل أي ثقة!! ". وهذا هو عين ما أدركه في بداية الأمر عالم الأحياء الكبير السير ألفريد والاس الذي شارك داروين في نظرية التطور،

1 - Charles Darwin، Life and Letters of Charles Darwin Series، volume 1، p. 282

679