مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٦٩المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
والاعتقاد بالتوحيد كما في عهد أخناتون وغيره)، أي إنَّه مجتمع ديني بامتياز. وإن نحن وضعنا فرعون وقومه في خانة المجتمع العربي في جزيرة العرب فإنَّ ريشة هذا القول سترسم لنا مشهد مجتمع ديني متعدد الآلهة، تضرب عقيدة الأسلاف بأطنابها فيه؛ أي إنَّ توجيه بوصلة البحث إلى أي مسارٍ من هذين المسارين لن يأتي بكثير نفع لزاعم يزعم فيه بإلحاد فرعون وقومه؛ فكلا المسارين يعُجَّان بالفكر الديني ويعتنقان فكرتي: الألوهية والعبودية.
لقد وردت دعوى إلحاد فرعون وإنكاره الوجود الإلهي عند ابن كثير وغيره (2)، ومنهم من يرى بأنَّ فرعون كان عارفًا بالله في نفسه مع ما يُظهره من الإنكار تكبرًا وزورا وبهتانا (3)، ومنهم من يعده جاهلا بالله، وهؤلاء اختلفوا في كيفية جهله، فقيل بأنه كان دهريًا نافيًا للصانع، وقيل بأنَّه كان من عبدة الكواكب، وقيل بأنَّه كان من الحلوليَّة المجسّمة. وأمَّا ادعاؤه الربوبية لنفسه فبمعنى وجوب طاعته والانقياد له. هكذا لخص الفخرُ الرَّازي القضيَّة). وفي سياقات التفسير تتكرر دعوى أنَّ فرعون والملوك من قبله كانوا هم الآلهة في زمانهم (5)، فكيف يُقال بإنكار فرعون للآلهة في الوقت ذاته؟!
يُجيب ابن عاشور عن ذلك قائلا: "فرعون سأل موسى - عليه السلام - تبيين حقيقة هذا الذي وصفه بأنَّه ربُّ العالمين، فقد كانت عقائد القبطِ تُثبت آلهةً متفرقةً قد اقتسمت التصرف في عناصر هذا العالم وأجناس الموجودات، وتلك العناصر هي العالمون، ولا يدينون بإله واحد، فإنَّ تعدد الآلهة المتصرفة ينافي وحدانيَّة التَّصرف، فلمَّا سمِعَ فرعون من كلام موسى إثبات رب العالمين، قرع سمعه بما لم يألفه من قبل لاقتضائه إثبات إله واحدٍ وانتفاء الإلهية عن الآلهة المعروفة عندهم، على أنَّهم كانوا يزعمون أنَّ فرعونَ هو المُجتبى من الآلهة ليكون ملك مصر، فهو مظهر الآلهة الأخرى في تدبير المملكة: {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ) (الزخرف: 51). وبهذا الانتساب إلى الآلهة وتمثيله إرادتهم في الأرض كان فرعون يُدعى إلها، وقد كانت الأمم يومئذٍ في غفلة عما عدا
صلے
1 - يُشير فراس السواح إلى أنَّ الديانة المصرية ديانة توحيديَّةٌ في أصلها. (ينظر: فراس السواح، الأسطورة والمعنى، ص 189 - 218).
2 - يُنظر: ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، (138/ 6).
- يُنظر: ابن تيمية درء تعارض العقل والنقل، (440/ 8). 4 - يُنظر: الرازي، مفاتيح الغيب، (57/ 22).
ه - يُنظر: تفسير السمعاني، (43/ 4)، وتفسير ابن عطية، (4 229)، وتفسير القرطبي، (12/ 98).
79