مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٧٠مناجزة الإلحاد
أنفسها، فكانوا لا يُفكرون في مختلف أحوال الأمم وعوائد البشر، ولا تشعر كل أمةٍ إلا بنفسها وخصائصها من آلهتها وملوكها، فكان الملكُ لا يشيع في أمَّتِه غير قوته وانتصاره على الثَّائرين، ويُخيّل للنَّاس أنَّ العالم منحصر في تلك الرقعة من الأرض … أعرض فرعون عن خطاب موسى واستثار نفوس الملأ من حوله - وهم أهل مجلسه - فاستفهمهم استفهام تعجب من حالهم كيف لم يستمعوا إلى ما قاله موسى؟! فنزلهم منزلة من لم يستمعه تهييجا لنفوسهم؛ لكيلا تتمكن منهم حجةُ موسى؛ فسلط الاستفهام على نفي استماعهم - كما تقدم - وهذا التعجب من حال استماعهم وسكوتهم يقتضي التَّعجب من كلام موسى بطريق فحوى الخطاب، فهو كناية عن تعجب آخر، ومرجع التَّعجبين أنَّ إثبات ربٍ واحدٍ لجميع المخلوقات منكر عند فرعون؛ لأنَّه كان مشركا فيرى توحيد الإله لا يصح الشكوت عليه).
قلے
هناك نصوص قرآنية حاسمة في موقف فرعون وقومه من حيث الاعتقاد بالآلهة، وهذه النصوص تدلُّ على أنَّ فرعون وقومه لم يكونوا بدءًا من الأمر، فهم كغيرهم من الأقوام التي كذَّبت رسل ربهم وآياتِه بالرغم من إيمانهم بالآلهة من أوثان ونحوها، فالله سبحانه وتعالى يقول: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (آل عمران (11). ويقول تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ، وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ (الأنفال: 54). وغيرها من الآيات تدلُّ على تكذيبهم الرُّسل وإنكارهم النبوات مع اعترافهم بآلهة الأسلاف وعبادتها. ومن
التي
?
النُّصوص الحاسمة كذلك قوله تعالى: قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (الأعراف: 70). فهم كانوا يعتنقون عقيدة أسلافهم، كما هو الحال في قريش وغيرها من الأمم الجاحدة المكذبة، فقوم إبراهيم احتجوا بعقيدة الأسلاف قائلين: قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (الأنبياء: 53). وقوم عادٍ: قَالُوا أَجِثْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (الأحقاف (22). وقريش قالت: وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ (الزخرف: 23).
:
كذلك فإنَّ فرعون وقومه كانت لهم آلهة ولم ينكروا هذا المبدأ، يقول تعالى: {وَقَالَ الْمَلَأُ مِن
صلے
1 - ابن عاشور التحرير والتنوير، (19/ 116)، بتصرف.
V.