مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٧١من
المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
الله
بقدرِ
قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (الأعراف: (127). فكيف يُقال بأنَّه كان يُنكر وجود الله وهو غارق في لجاج الآلهة من كل الزوايا والاتجاهات؟! وهذا يُحيلنا إلى آية: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (غافر: (36). أي إنَّ فرعون لم يكن يُنكر وجود ما كان يُنكر تصورات الإله التي جاء بها، موسى ففرعون وقومه يعتقدون كما اعتقد أسلافهم أنَّ الإله يجب أن يكون ماديًا ويُرى عيانًا، وعندما أدرك فرعونَ الغرقُ بعد أن أَرَّتْ بين قومه قال: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (يونس: 90). فالآية صريحة في إقراره بالتَّوحيد مباشرةً؛ مما يدلُّ على إقراره المسبق بوجود الله دون الإقرار بوحدانيته فهو لم يقل آمنت بوجود الله وإنما قال آمنت بأنَّه لا إله إلا الله. كذلك يظهر جليًّا إيمان فرعون بالآلهة كما في قوله تعالى: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَّمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَثْبِيبٍ
:
صلے
(هود: (101). نعم؛ كانت لهم آلهةٌ لم تُغن عنهم من الله شيئًا، وينقدِحُ في الذهنِ مباشرة اعترافُ فرعون بوجود الله عندما تُمعن النظر في خطاب موسى له قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا} (الإسراء: 102). فالآية تُشير إلى علم فرعون وإن أنكر! وقوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ (النمل: 14). فجحودهم كان مشهودًا ومُعلَنا، لكنَّهم كانوا في قرارة أنفسهم مستيقنين!
وهذا توثيق إلهي لما يعتلج في دواخل نفوسِهِم، وأنَّهم مستيقنون نفوسًا وإن جحدوا ألسنةً! وكذلك سؤال فرعون: قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} (الشعراء: 23). فهو لم ينازع موسى في الوجود بل طلب منه معرفة الماهية، فدل هذا على اعترافه بأصل الوجود، ولما أقام موسى الدَّلالة على الوجود وعرَفَ فرعونُ أنَّه لا يُمكنه أن يُقاومه في هذا المقام لظهوره وجلائه؛ عدل إلى المقام الثَّاني وهو طلب الماهية وهذا أيضًا ممَّا يُنبه على أنَّه كان عالما بالله؛ لأنه ترك المنازعة في هذا المقام؛ لعلمه بغاية ظهوره، وشرع في المقام الصعب؛ لأنَّ العِلم بماهية الله تعالى غير حاصل للبشر).
وفرعون كان يعلم بأن ملكه محدود بجغرافية مصره فقط ولا سلطان له على الأمصار
1 - يُنظر: الرازي، مفاتيح الغيب، (22/ 57).
71